«المثقف»... عندما يختار الأسوأ! (3-3)

نشر في 15-02-2026
آخر تحديث 14-02-2026 | 19:24
 خليل علي حيدر

إن ما يقوم به المثقف المتعمق الملقب بـ «الانتلجنسي» الذي يحمل رؤية بديلة للوضع القائم أمر عجيب! فهو موظف تقوم مصلحته على استمرار النظام وديمومة الوضع، بينما يقوم هو بالبحث عن الثقوب في قاع المركب وتوسيعها إن لزم الأمر والتهديد بإغراق السفينة. 

إن مطالب التغيير التي تقودها النقابات أو الهيئات، وتشارك فيها الكتل الشعبية نادرة في العالم العربي. وكثيراً ما تتولى الأحزاب المتأثرة بمثقف ما في التعاون مع الجيش أو غيره لتغيير النظام، وكثيراً ما تفشل مطالب التغيير لكثرتها وإلحاحها وعدم واقعية المطالب... وهكذا. 

حتى المثقف الشاعر قد يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه في أي نظام كان، وقد وجه سؤال للشاعر - الموظف فاروق شوشة عما يحدث للشاعر أو المبدع حينما يتولى المزيد من الأعباء والمسؤوليات، فأجاب: «إن المبدع إنسان مسؤول يمارس عمله ويشارك في صياغة مجتمعه».

وقال: «لا أدري لماذا يحلو لبعض الناس أن يتصوروا حياة الشاعر بعيدة تماماً عن جو العمل والمسؤولية، وكأنما الصورة المثلى لديهم هي أن يكون الشاعر متفرغاً تماماً لتأملاته وانطلاقاته وشطحات خياله». (رحلة في عقول مصرية، إبراهيم عبدالعزيز، القاهرة، 1990، ص593) 

وذكر الشاعر فاروق شوشة: «في مثل ظروف مجتمعنا يصبح عدم الاعتماد على العمل والوظيفة لونا من المغامرة والقفز إلى المجهول». وأضاف أن الأدباء توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس جميعاً، لولا دخلهم من الكتابة في الأهرام والعمل فيها، لما استطاعوا مواجهة أعباء الحياة الضارية.

وقال عن كبار الأدباء الآخرين مثل د. طه حسين وعباس محمود العقاد: «حتى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين اضطر في مراحل عمره الأخيرة ولعدة سنوات أن يعتمد على دخله كواحد من رؤساء تحرير جريدة الجمهورية، وكان مبلغ الخمسمائة جنيه الذي يتقاضاه - بشهادة من يعرفونه عن قرب - أساسياً في مواجهته لأعباء الحياة، وهو من هو من حيث الأهمية والمكانة والشهرة والإنتاج الغزير والعلاقات الواسعة والكتب التي تطبع بعشرات الألوف».

«وربما يمثل العقاد الوجه الآخر من الصورة، وجه الكاتب والأديب والمبدع الذي عاش طيلة حياته من قلمه بعد أن تمرد على الوظيفة مبكراً، ولم يقبل أن يعيش مقيداً بشروطها ومسؤوليتها، لكن ماذا كان مصير العقاد؟ لقد رحل عن الدنيا وكل ما في جيبه قروش، وهو الذي ملأ الدنيا فكراً ومعرفة وإنتاجاً يقدر بعشرات الكتب المتنوعة وآلاف المقالات التي لم يجمع منها الكثير بعد في كتب جديدة». (نفس المصدر، ص594). 

بقي الكثير للحديث عنه في علاقة المثقف العربي بالتطوير والتحديث وغيرهما. منها المشاعر النخبوية التي تعزل بعض المثقفين، والحلول الشعبوية والتعصب النظري التي تعرقل التعاون مع بعض المثقفين، والصراع داخل صفوف المثقفين وقضايا كثيرة أخرى نتمنى أن تحل.

back to top