مصالحة حذرة بين ماكرون وميرتس لمواجهة التراجع الأوروبي
مع انطلاق القمة غير الرسمية للاتحاد الأوروبي في بلجيكا، حرص المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الظهور معاً، أمس، بعد أسابيع من خلافات علنية، أراد الرجلان إرسال رسالة واضحة: أوروبا لن تتحرك من دون تفاهم باريس وبرلين.
قال ميرتس إنهما «متفقان كما في معظم الأحيان» حول الملفات المطروحة، فيما شدد ماكرون على «ضرورة التحرك العاجل وأن تتصرف القارة بحزم».
غير أن هذا التوافق بقي سياسياً أكثر منه عملياً، إذ إن الاجتماع لم يكن مقرراً أن يصدر قرارات، بل إعداداً لقمة رسمية في مارس.
والقضية المركزية كانت سؤالاً واحداً: كيف يمكن لأوروبا أن تنافس اقتصادياً الولايات المتحدة والصين؟ القادة الأوروبيون تحدثوا صراحة عن فقدان القدرة التنافسية.
ارتفاع أسعار الطاقة، والبيروقراطية البيئية الثقيلة، وتباطؤ السوق الموحدة، كلها عوامل باتت تهدد الصناعات الأساسية، من الصلب إلى البتروكيماويات، وقال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر إن أوروبا قد تخسر صناعاتها الثقيلة إذا لم تتحرك سريعاً.
لكن الخلاف الحقيقي ظهر في طريقة العلاج وسط مقاربتين اقتصاديتين ففي حين يدفع ماكرون نحو سياسة صناعية حمائية: «اشترِ الأوروبي»، واقتراض أوروبي مشترك للاستثمار ومنافسة هيمنة الدولار، يرفض ميرتس الديون المشتركة، ويفضل رفع الإنتاجية واتفاقيات التجارة الحرة، مع حصر حماية الشركات الأوروبية بالقطاعات الاستراتيجية فقط، والنتيجة: توافق على تشخيص الأزمة، لا على العلاج. حتى القادة الآخرون أبدوا ضيقهم.
رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترشون تحدث عن «كثير من الكلام وقليل من العمل»، فيما كان نظيره التشيكي أندريه بابيش أكثر حدة: «مؤتمرات فقط بلا أفعال».
وداخل النقاش الاقتصادي برز ملف الحرب الأوكرانية. رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان دعا صراحة إلى وقف تمويل كييف إذا أرادت أوروبا إنعاش اقتصادها، قائلاً: «لا ترسلوا أموالكم إلى غيركم إذا كنتم بحاجة إليها لتعزيز قدرتكم التنافسية».
ويعكس الموقف المجري الانقسام الأوروبي المزمن. فالاتحاد قدّم نحو 177 مليار يورو مساعدات لأوكرانيا منذ 2022، إضافة إلى قرض جديد بقيمة 90 مليار يورو، فيما لا تزال بودابست تعرقل خطوات انضمام كييف إلى الاتحاد.
بالتوازي مع القمة، اجتمع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي ببروكسل، وكان الغائب الأبرز وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث وذلك بعد غياب وزير الخارجية ماركو روبيو عن اجتماع وزراء الخارجية في ديسمبر الماضي.
ومع ذلك، كانت الرسالة الأميركية واضحة عبر رئيس الوفد إلبريدج كولبي: واشنطن تريد من الأوروبيين تولي القيادة في الدفاع التقليدي.
وقال كولبي إن عام 2025 شهد «إعادة صياغة» لدور الحلف، وإن أوروبا باتت مطالبة بأخذ زمام المبادرة، في إشارة مباشرة إلى تحوّل تركيز الولايات المتحدة نحو المحيط الهادئ والصين.
والأمين العام للحلف مارك روته أكد الفكرة نفسها: أميركا ستتجه أكثر إلى آسيا، وعلى أوروبا وكندا تحمل مسؤولية أكبر. ولهذا رحّب بخطط ألمانيا رفع إنفاقها الدفاعي إلى نحو 153 مليار يورو بحلول 2029، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف مستوى 2021.
إلى ذلك، أعلنت السويد إرسال مقاتلات لتنفيذ دوريات حول آيسلندا وغرينلاند ضمن عملية «أركتيك سينتري».
وجاءت الخطوة بعد توتر غير مسبوق داخل الحلف بسبب حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن ضم غرينلاند، بذريعة منع روسيا أو الصين من السيطرة عليها. وهكذا تحوّل الشمال المتجمد إلى مسرح تنافس جديد بين القوى الكبرى.