الخلل الإداري وضياع بوصلة القيادات الوسطى

نشر في 13-02-2026
آخر تحديث 13-02-2026 | 00:06
 د. جاسم الجزاع

في كل حديث تتناوله الأدبيات والدراسات الإدارية عن «الفساد الإداري»، تتكرَّر الأسئلة ذاتها: مَنْ المسؤول الحقيقي عن ذلك الفساد؟ وما الأسباب الحقيقية لذلك الفساد الإداري الذي يستشعره البعض؟ ومع أن معظم الحكومات تقوم بمواجهة ذلك الأمر، وتجعله مشروعها الوطني، فإن البعض يرى أن اللوائح والنُّظم والقوانين والتشريعات قد تكون هي المعيق، لعدم مواكبتها للعصر الآني.

لكن بالتجربة نجد أن حقيقة الخلل الإداري لا تكمن في النصوص ولا اللوائح الجامدة، بل إن الخلل الحقيقي فيمن يُكلَّف تطبيقها من البشر، فالإدارة لا تنهار بسبب القوانين واللوائح غير المنضبطة فقط، بل بسبب القيادات الإدارية التي لا تصلح لإدارة المشهد.

وفي الحالة الكويتية، لا يمكن إنكار وجود نية صادقة من الحكومة للإصلاح، وما تقوم به الحكومة الآن أمر تُشكر عليه، ولا نتجاهل حجم المبادرات المطروحة من قِبلها، غير أن المشكلة تظهر عند الحلقة الأخطر في أي منظومة إدارية في نظري، وهم «القيادات الوسطى»، تلك التي تقع بين سقف القرار السياسي الأعلى وسقف التنفيذ اليومي الأدنى، وتملك- فعلياً- القدرة على إنجاح أي مشروع أو إفشاله بصمت.

فالإشكال ليس في شخص هذه القيادات، فالذوات مصونة ومقدَّرة، بل الإشكال في آلية اختيارها، فحين تُقدَّم اعتبارات بعيدة، على حساب الكفاءة الإدارية الحقيقية، تتحوَّل المناصب الإدارية من أدوات قيادة إلى أدوات بطء في الإنتاجية، وحين يُغفل فحص «الجاهزية الإدارية» واختبار «الاتزان النفسي الوظيفي»، يُصبح القرار عبئاً، والإدارة مصدراً للتوتر والصداع التنظيمي.

فالقيادة الوسطى في أجهزتنا الحكومية ليست منصباً تشريفياً، بل وظيفة دقيقة تتطلَّب وضوحاً ذهنياً، وقدرة على إدارة التوتر، ومهارة في اتخاذ القرار وصناعته، وأكثر استعداداً لتحمُّل المساءلة والمسؤولية. لذلك، فإن اختيار غير المؤهَّل نفسياً أو إدارياً لا يضر المؤسسة الحكومية فقط، بل يُنتج بيئة عمل مُربكة، تتضارب فيها التعليمات، ويضيع فيها الجهد، ويُستنزف الموظف الجاد.

لهذا، فإن أي إصلاح إداري جاد لا بد له أن يبدأ من مراجعة لثلاثة معايير للاختيار: أولها كفاءة إدارية حقيقية، وثانيها صحة نفسية وظيفية، وآخرها قدرة على القيادة الحقيقية.

فحين نُحسن اختيار «القيادات الوسطى»، تُصبح الأنظمة أبسط وأكثر وضوحاً، وتُترجم الأوامر العُليا إلى أنشطة ومهام مفهومة، والمساءلة تكون عادلة، ويُصبح الإصلاح مساراً طبيعياً.

*باحث اكاديمي

back to top