بدون مجاملة: التصحيح الخاطئ

نشر في 13-02-2026
آخر تحديث 13-02-2026 | 00:06
 سارة صالح الراشد

«الصواب والخطأ» أمران متلازمان في الحياة، لا يوجد ما هو مثالي، وعامة الأمور لا يمكن أخذها على إطلاقها. النُّصح والتوجيه والتنوير وعي وخير وجمال، ومحبَّة وحرص، والهدف تعميم المنفعة وتحقيق الصلاح، من دون مقاصد خاصة أو مكاسب شخصية.

في شريعتنا، النصيحة لعامة المسلمين وخاصتهم، وضرورة إنكار المُنكر، والتصدي للباطل. وفي روابطنا وثقافتنا الاجتماعية دائماً حُب الخير للغير، والاهتمام بالقريب والبعيد، والاحترام والعطف.

لكن علينا أن ننتبه ونفرِّق بين النصيحة والأوامر، وبين التوجيه والتطفل، وبين التوضيح والإجبار، وبين ما يُطرح للنقاش، وبين ما لا يصح الخوض فيه، وما يحدث بين المعنى الحقيقي والافتراضي.

هاتفي الذي اشتريته منذ عام يفعِّل خاصية التصحيح عند الكتابة، ويُغيِّر الكلمات، ويقلب المفردات، ويُبدِّل الأسماء، يزعجني ويحرجني في مواقف مختلفة، ويلزمني وقتاً للتعديل حتى أُصحح تصحيحه! فهو يُرتب بطريقة غير تلك التي أُريدها وأقصدها، ويبدو- كتقنية- بأنه يؤدي دوراً ممتازاً، ويقوم بمساعدة المستخدم، ويوفر عليه ويتمِّم عمله، لكنه في الحقيقة على النقيض تماماً! هذا يحدث في حياتنا وعلاقاتنا وتعاملاتنا مع مَنْ يحاول تغيير قناعاتنا أو آرائنا إزاء قضية تخصنا.

يقع أولياء الأمور كثيراً في تصحيحات خاطئة مع تربية الأبناء وتوجيههم ليصبحوا مثبطاً وعائقاً، بدلاً من الدعم والتشجيع وإتاحة الفرصة والتمكين من خوض التجارب، واتخاذ القرارات وتحمُّل المسؤولية، ظناً منهم أنهم يقومون بدورهم كمربين، محاولين تغيير ميول أبنائهم، أو تحويل اهتماماتهم، أو منعهم من أنشطة على حساب أخرى، وبذلك يفرضون تصوراتهم، ويعملون على تحقيق مكاسبهم، بدلاً من منح الأبناء حقهم في بناء شخصياتهم المتميزة. وليس القصد أبداً ما يتنافى مع الشرع أو القِيم أو النظام الاجتماعي، إنما مع ما لا حرج به، لكنه لا يتوافق مع ميول الوالدين، فيعارضون كل ما يقدم بناءً شخصياً مختلفاً للابن عمَّا يريدونه، قِس على ذلك مختلف الهوايات والرغبات ما شئت، مما أباح الخالق وتعارَف عليه الخلق.

ويدور نفس الاعتقاد والتصرُّف بين بعض الأزواج، وأحياناً بين الأصدقاء، فيقع الانفصال والافتراق.

لا تدخل في صراع بين المرء ونفسه، ولا تسلبه حق اختبار الحياة بمراحلها وتجاربها، إذ لن تستطيع تغيير كل شيء، ولا إخضاع الشخصيات لاعتقاداتك وهواك، فالبشر ليسوا غرفة تقوم بتأثيثها وصباغة جُدرانها، ليسوا لوحة ترسمها وفق خيالاتك وتعبيراتك.

هناك أخطاء- فعلية- لا خلاف عليها تحتاج إلى التصويب، وإلى سلوك يتطلَّب التوعية والتعديل، وهناك اختلافات ليس لها إلا التقبُّل والتعايش.

back to top