الصُّمود المجتمعي في اليمن... قصة شعب صابر وحاضر وقاهر
عرف الإنسان اليمني عبر تاريخه الطويل دورات متعاقبة من الفقر والجفاف والاضطراب السّياسـي، ولكنه طور ما يشبه «ثقافة الصبر»، فاحتوت الذاكرة الشعبية على نماذج كثيرة عن قصة الصبر اليمني، حيث يظل الحلم بغدٍ أفضل محتملاً وقائماً، والعمل الشاق ممراً للخلاص والنجاة، والدولة – رغم هشاشتها – أفقاً يمكن إصلاحه، هذا الرصيد النفسـي والثقافي هو ما جعل اليمنيين يصمدون في هذه الأيام والسنوات الكئيبة طويلاً، ولكن ما يجري اليوم حقيقة يختلف نوعاً وكَماً وكيفاً عن أزمات الماضـي، إذ لم تعد الأزمة مؤقتة أو محددة المصدر، بل شاملة ومفتوحة الزمن، فالحرب الممتدة منذ قرابة عقد لم تدمّر البنية التحتية فقط، بل ضـربت الأساس ذاته، فانكسـرت التوقعات المجتمعية، وخابت المبادرات السّياسية، وأصبح القائم حالياً هو تطبيع المأساة ليصبح الموت والفقر والتهجير أخباراً يومية عادية، فيفقد الإنسان فيه حسّ الدهشة وغرابة الموقف، ويفقد معه القدرة على الحلم والأمل معا، فهذا الوطن تعددت سلطاته، وغابت الدولة الجامعة المانعة، وأصبح المواطن لا يرى دولة تحميه من ذوي المصالح، ولا يتلمس مشـروعاً وطنياً خالصاً، بل يشاهد سلطات متصارعة متنازعة لكلّ منها أهدافٌ ورؤيةٌ ومشاريع.
وهنا... فهذه الثقافة ليس نتاج القمة، أي صنع سياسات عامة ناجحة، ولا ثمرة دولة راعية، إنه صمودٌ قاعدي، تشكل من العائلة، والمنطقة، والقبيلة، فلم ينهار اليمنيون بسهولة، بل لا يزالون واقفين على أقدامهم، وتلك ملحمة أسطورية بحدّ ذاتها، فالتكيّف مع انقطاع الرواتب، وتذبذب الخدمات، وغلاء المعيشة، خلق قدرة مذهلة على «الاحتمال»، وقدرة هائلة على التكيّف القاسـي، أو ما يمكننا تسميته بـ«الصّمود المجتمعي»، غير أن هذا الصّمود، طَبع الأزمة القائمة، وخلق انهياراً اقتصادياً، وسبب فجوة متسعة بين طبقة صغيرة مستفيدة من اقتصاد الحرب، وغالبية غارقة في العوز والفقر والحاجة، أي بالمجمل انعدام للحاضـر المعاش، وانسداد الأفق للمستقبل، فحين يعجز الإنسان عن تأمين أساسيات حياته، يتراجع تفكيره في ذاك المستقبل، اللهم إلا من رؤيته محاولة للبقاء، فيستمد الصبر، ويتشجع بالأمل، ويسلّي ذاته بأخبار وأفكار عن الفارس المنقذ الذي سيأتي لتخليص الشعب من كوارثه ونوائبه ومصائبه.
وفي هذه البيئة القاتلة، ينبري اليمني صابراً وصامداً على كل هذه التناقضات والتنازعات والتصارعات، ليعيد التذكير بماضيه الخالد، بل ويعيد ذكره كنماذج ملهمة وقصص إيجابية تظهر مدى حبهم للحياة رغم الحروب، وعشقهم للمغامرة رغم المخاطرة، وتتجلى في تـمسكهم بالحياة اليومية، وبالعائلة، وبالوطن، وبالعمل مهما كان شاقاً متعباً، ليحفظ في الذاكرة أن اليمن في أيّ لحظة قادراً على النّهوض من جديد، وهذا الأمر يحتاج إلى شـروط ليعود قوة فاعلة عبر سلام حقيقيّ لا هدنة مؤقتة، ومشـروع نهضويّ وطنيّ وجامع، واقتصاد تنمويّ يعيد الاعتبار للعمل، وخطاب ثقافي وإعلامي يعيد للناس ثقتهم بأنفسهم وبالمستقبل ذاته.
وختاماً... فالصّمود المجتمعي شهادةٌ على قوة الإنسان حين تسلب منه الدولة، ولكنه ليس بديلاً عن المستقبل، وإذا استمرّ الرّهان على صبر الناس وحده، فسيظل الأفق «فاتراً، قاتراً، موحشاً»، أما إذا جرى تحويله إلى طاقة تعافٍ وبناء ونهوض، فاليمن – كما أثبت تاريخه– قادرٌ على ذلك.
*صحافي يمني