صرخة قلم: هنا حقوق الإنسان!
في الأسبوع الماضي كتبت مقالاً بعنوان «كذبة حقوق الإنسان»، تناولت خلاله تحوُّل هذا الشعار النبيل لدى بعض الجمعيات ومنظمات حقوق الإنسان إلى أداة استغلال سياسي وابتزاز مالي، يُرفع حين تخدم المصالح، لكن إذا أردنا حقوق الإنسان الحقيقية، غير الانتقائية وغير المسيسة، فعلينا أن نعترف بحقيقة تاريخية لا يمكن القفز عليها، وعُمرها 14 قرناً، وقبل ظهور ما تسمَّى بجمعيات وهيئات حقوق الإنسان، وهي الحقوق الإنسانية في الإسلام. ورغم أقدميتها، فإننا نهرول خلف قوانين جمعيات حقوق الإنسان، ونحن لدينا قوانين إلهية بهذا الشأن، لا تقبل الخطأ 1 في المئة. فنحن المسلمين مَنْ سبقنا العالم في صون هذه الحقوق، صوناً ليس مبنياً على مصالح، أو لون، أو لغة، أو نسب، بل على العدل، لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، ولم تشر الآية إلى لون أو نسب أو جنس. كما أن هذه الآية وحدها تؤسس لفكرة الحقوق قبل أي مواثيق حديثة. وهناك أيضاً وثيقة عظيمة في تاريخ الحقوق، وهي خطبة الوداع، التي تُعد من أوائل مواثيق حقوق الإنسان، وقبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بـ 13 قرناً، حيث بيَّن عليه الصلاة أن «دماءكم وأعراضكم حرام عليكم»، وأوصى بالنساء خيراً، والعدل في توزيع الميراث، إلى آخر الخطبة. إن حقوق الإنسان في الإسلام ثابتة، مصدرها إلهي، لا تخضع إلى أهواء السياسة. فيما حقوق الإنسان الحديثة قابلة للتبديل، وتُستخدم أحياناً بازدواجية ومعايير انتقائية. كما أن حقوق الإنسان في الإسلام وضعت قدسية لحياة البشر من دون تمييز، ولا يجوز الاعتداء عليها، قال تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا). وأقر القصاص، حفاظاً للأرواح، وردعاً للجريمة، في حين قوانين بعض جمعيات حقوق الإنسان الوضعية تُجرِّم القصاص، وتُشرعن الشذوذ، باسم الحُرية.
كما أن حقوق الإنسان الإسلامية تحث على العدل والمساواة وتطبيق القانون على الجميع، لقول المصطفى، عليه الصلاة والسلام: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، وقوله أيضاً: «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى». بل إن الإسلام ذهب إلى أبعد من ذلك، فحرَّم ترويع الناس أو انتهاك خصوصياتهم، لقوله تعالى: «ولا تجسسوا»، وكفل حقوق المرأة والأيتام والملكية، وحتى العمَّال، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه».
وقد شدَّد الإسلام على طاعة الوالدين، والاهتمام بهم، وتحريم معصيتهم، فيما بعض جمعيات حقوق الإنسان تُشجِّع الأبناء على معصية الوالدين، وحُرية التصرُّف في بناء صداقات محرَّمة، تحت ذريعة الحُرية.
نهاية المطاف، إن حقوق الإنسان الحقيقية، والتي لا تخضع للأهواء السياسية، ولا تقبل الازدواجية، ليست في مجلس حقوق الإنسان أو منظمة العفو الدولية، بل في ديننا الحنيف.