هل سيحرق الذكاء الاصطناعي كروت الابتزاز؟
في التاريخ السياسي والاستخباراتي، لم تكن الحروب تُخاض دائماً بالسلاح المباشر؛ بل كثيراً ما كانت تُدار خلف الستار عبر المعلومات الحساسة والخبايا، وأدوات الضغط النفسي والابتزاز. ومن أكثر هذه الأدوات تأثيراً عبر العقود ما عُرف بـ «ملفات الابتزاز»، أو ما يسمَّى أحياناً في أدبيات الاستخبارات بعمليات «الفخاخ البشرية» أو الضغط عبر الأسرار الشخصية.ويعتقد صُنَّاع الابتزاز السياسي أن مَنْ يملك السِّر يملك صاحبه، ومَنْ يملك الماضي قد يكتب المستقبل. لهذا لم يكن الابتزاز يوماً حادثة هامشية في عالم السياسة، بل كان أحد وجوه الصراع الصامت. حتى صار امتلاك الملف الشخصي في بعض الأحيان أشد فتكاً من امتلاك السلاح. من هنا نُدرك لماذا أُنشئت جزيرة الشيطان وعاصمة إبليس.
إن العالم اليوم يقف على عتبات تحوُّل رقمي أخطر وأعمق مما كُنَّا فيه. فقد خرج الذكاء الاصطناعي من نطاق الحسابات والمعادلات، ليدخل في تشكيل الواقع ذاته، فصرنا نرى السكون يتحرَّك، والصمت يتكلم، وأصواتاً تعود بعد غياب أصحابها، ومشاهد كاملة تُصنع من العدم، ثم تُعرض على الناس كما لو كانت جزءاً من الذاكرة الجماعية! ولم يعد الخيال مجرَّد احتمالٍ بعيد، بل صار مادة تنتج يومياً، وتتكاثر وتنتشر كما تنتشر الأخبار، حتى غدا الإنسان في حيرة: أهو يشاهد واقعاً أم خيالاً متقن الصنع؟!
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا لو ظهر تسجيل يزعم تورُّط شخص مهم في فعلٍ ما؟ هل سيُصبح الدليل قاطعاً كما كان في زمن الصورة الفوتوغرافية الأولى؟ أم يُصبح مجرَّد مادة للنقاش والإنكار والجدل؟
إن كثرة المحتوى الممنتج والمعدَّل بالذكاء الاصطناعي قد تخلق حالة عامة من الشك، بحيث لا يعود الناس يثقون في شيء إلا بعد سلسلة طويلة من التحقيقات التقنية. بل قد ينقلب المشهد إلى ما يُشبه حرب الروايات الرقمية. وقد يُنكر المتهم الفيديو، بدعوى أنه «Deepfake» مصنوع باحترافية يصعب على العين المجرَّدة تمييزه، بل إنه قد يرد الهجمات على المعتدي، ويصنع مادة مشابهة لخصمه، وقد يستبدل الصورة المنسوبة إليه بأخرى، أو يشوهها ويُضاعف نشرها، ليختلط الحابل بالنابل، ويضعف قوة المقطع الأصلي المسرَّب، فتتحوَّل القضية من بحثٍ عن الحقيقة إلى صِراع على المصداقية، أو صِراع لجذب انتباه الناس للمشهد الأصلي، خصوصاً إن كان المشهد الأصلي غير معروف ولم يشاهده أحدٌ من قبل، فمن السهل العبث به أو إعادة إخراجه، أو الطعن في مصداقيته، فهو ليس تزييفاً لمشهدٍ تاريخي معروف ومسجَّل. لذلك يُصبح النفي ممكناً بقدر إمكان الاتهام، وهنا يُصبح التزييف سلاحاً ذا حدين.
وربما نشهد في السنوات القادمة سباقاً خفياً بين تقنيات التزييف وتقنيات كشف التزييف، وبين مَنْ يصنع الوهم ومَنْ يُثبت الحقيقة. وقد لا تكون المعركة القادمة معركة تسريب فيديوهات فقط، بل معركة إثبات صحتها وأصالتها وتحليلها الرقمي، وتمييزها من بين فوضى الفيديوهات الاحترافية المفبركة، وبين معركة حرق كروت الابتزاز السياسي بالذكاءات الاصطناعية المتطورة.