وجهة نظر: الكويت أمام فرصة لبناء محرّك نمو غير نفطي
• 5 قطاعات قد تضيف بين 55 و85 مليار دولار إلى الاقتصاد
تقف الكويت اليوم أمام لحظة فرصة استراتيجية. وفي ظل وضع مالي سيادي يعد من الأقوى عالمياً وخارطة طريق وطنية واضحة ضمن «رؤية 2035»، تمتلك البلاد الموارد والاستقرار المؤسسي اللازمين لتعميق اقتصادها غير النفطي بطريقة متدرجة ومتوازنة.
الهدف ليس استبدال قطاع الهيدروكربونات بل تكملته، ففي دول الخليج والعالم، لم يتحقق التنويع الاقتصادي الناجح عبر تغييرات فجائية، بل من خلال تنشيط قطاعات تتوافق بطبيعتها مع نقاط القوة الوطنية.
وبالنسبة إلى الكويت، يمكن إعطاء الأولوية لخمسة أعمدة رئيسية: التمويل الإسلامي، والضيافة والسياحة، والعقار والتطوير الحضري، والابتكار وريادة الأعمال، والتعليم العالي الخاص المدعوم بتعزيز دوران رأس المال محلياً.
التمويل الإسلامي: ركيزة استراتيجية
يتجاوز حجم أصول التمويل الإسلامي عالمياً اليوم 3 تريليونات دولار، ويواصل التوسع في إصدارات الصكوك وإدارة الثروات المتوافقة مع الشريعة وأدوات الاستثمار الأخلاقي، وقد نجحت عدة مراكز مالية إقليمية في ترسيخ موقعها كمحاور عالمية لهيكلة رأس المال الإسلامي.
وتمتلك الكويت بالفعل حضوراً مصرفياً إسلامياً محترماً وخبرة مالية عميقة. ومع تحسينات تنظيمية مدروسة وشراكات دولية، يمكن للكويت توسيع دورها بصورة ملموسة في هيكلة الثروات الإسلامية، والاستشارات المتعلقة بالصكوك، وإدارة الأصول للمستثمرين الإقليميين والدوليين.
وتولّد تجمعات الخدمات المالية وظائف عالية القيمة للمواطنين، وتستقطب الصناعات القانونية والاستشارية المساندة، وتُبقي رأس المال داخل الاقتصاد المحلي. ويمكن لتوسع مركّز في التمويل الإسلامي وإدارة الأصول المرتبطة به أن يضيف ما بين 5 و8 مليارات دولار سنوياً من الخدمات ذات القيمة المضافة على المدى المتوسط، مع تعزيز الريادة المالية للكويت في المنطقة.
الضيافة والسياحة: دوران رأس المال والتوظيف
تمثل الضيافة والسياحة قطاعات سريعة الحركة تُعيد تدوير رأس المال بسرعة داخل الاقتصاد المحلي. ففي الاقتصادات المتنوعة، تسهم السياحة بما بين 8 و12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتدعم شبكات واسعة من الوظائف في النقل والتجزئة والخدمات الغذائية والفعاليات.
يوفر الموقع الجغرافي للكويت، ومجتمع الأعمال فيها، وترابطها الإقليمي قاعدة قوية. وبدلاً من استهداف السياحة الجماهيرية، يمكن التركيز على التوسع المدروس في مؤتمرات الأعمال، والسياحة العلاجية، والفعاليات الثقافية، وسياحة العائلات الإقليمية.
إن تطوير قطاع الضيافة ينشط المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويعزز وظائف قطاع الخدمات، ويرفع ثقة المستثمرين في القطاع الخاص. ويمكن لتوسع منظم ومتدرج أن يولد ما بين 6 و10 مليارات دولار سنوياً على المدى المتوسط، مع خلق آلاف الوظائف في القطاع الخاص عبر مستويات مهارية متعددة.
العقار: دعامة استقرار
يعد القطاع العقاري أحد أكثر ركائز التنويع الاقتصادي ثباتاً في الخليج. ففي دولة الإمارات، يساهم العقار والأنشطة المرتبطة به، المفتوحة للاستثمار الأجنبي، بنحو 140 مليار دولار سنوياً في الناتج غير النفطي. وعند دمجه مع الضيافة والخدمات اللوجستية والخدمات الحضرية، يتحول الاقتصاد الحضري إلى دعامة استقرار.
ويعمل سوق العقار في الكويت ضمن إطار تنظيمي وديموغرافي مختلف، لكن الآليات الاقتصادية متشابهة، فالتوسع المنظم في المشاريع متعددة الاستخدامات، والإسكان متوسط التكلفة، والمراكز التجارية، وأدوات الاستثمار، يمكن أن ينشّط القطاع المصرفي والهندسي والخدمات القانونية وسلاسل توريد البناء.
العقار لا يخلق مباني فحسب، بل يخلق منظومات اقتصادية متكررة النشاط. ومع الوقت، يمكن للتطوير المتدرج أن يضيف ما بين 30 و45 مليار دولار سنوياً من النشاط الاقتصادي الإجمالي، بما في ذلك الآثار غير المباشرة. وحتى تحقيق جزئي خلال خمس سنوات قد يرفع الناتج غير النفطي بما بين 10 و15 مليار دولار إضافية. والأهم أن هذا التوسع يعزز تكوين الأصول محلياً ويقوّي خلق الثروة طويلة الأجل للمواطنين الكويتيين.
الابتكار وريادة الأعمال: محرّك الإنتاجية
تحقق الاقتصادات القائمة على الابتكار عالمياً نمواً أعلى في الإنتاجية وقدرة أكبر على تصدير الخدمات. وتوفّر القاعدة التعليمية القوية في الكويت وتوافر رأس المال وموقعها الإقليمي عناصر مناسبة لنمو موجّه في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنية المالية والخدمات الرقمية التطبيقية.
إن بيئة تنظيمية داعمة، مع إتاحة رأس المال الجريء والتعاون بين القطاعين العام والخاص، يمكن أن تخلق شركات ناشئة قابلة للتوسع تخدم الأسواق الإقليمية. وتولّد منظومات الابتكار وظائف عالية القيمة وملكية فكرية وحيوية اقتصادية طويلة الأمد. ومع نضج هذا القطاع، يمكن أن يضيف ما بين 4 و7 مليارات دولار سنوياً من النشاط الاقتصادي المباشر، مع تعزيز اقتصاد المعرفة ضمن «رؤية 2035».
التعليم العالي الخاص: الاحتفاظ بالقيمة والكفاءات
يبرز التعليم العالي الخاص ركناً مهماً آخر، فالكويت تستضيف شريحة طلابية مقيمة كبيرة، بما في ذلك العديد من العائلات الوافدة، فيما يواصل عدد كبير من خريجي الثانوية متابعة دراستهم الجامعية في الخارج، ما يؤدي إلى خروج إنفاق تعليمي سنوي إلى الخارج.
إن تطوير جامعات خاصة معتمدة دولياً، لا سيما في تخصصات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتمويل الرقمي والعلوم الصحية والهندسة التطبيقية، سيساعد على الاحتفاظ بجزء من هذا الإنفاق داخل الاقتصاد المحلي. وفي عدد من الاقتصادات الإقليمية، أصبح التعليم العالي خدمة محلية وصناعة تصديرية في آن.
وحتى الاحتفاظ بجزء متواضع من الطلبة الدارسين في الخارج يمكن أن يولّد ما بين 1 و2 مليار دولار سنوياً من النشاط الاقتصادي المباشر وغير المباشر، مع دعم البحث والابتكار وتثبيت الكفاءات، كما تدعم هذه المؤسسات منظومات ريادة الأعمال وتنمية القوى العاملة والمواهب الوطنية على المدى الطويل.
تعزيز دوران رأس المال محلياً
إلى جانب التوسع القطاعي، تبرز فرصة إضافية في تعميق مشاركة رأس المال المحلي، فكما في العديد من أسواق العمل العالمية، يُحوَّل جزء من مدخرات الأسر في الكويت إلى الخارج سنوياً. ورغم أن التحويلات سمة طبيعية للاقتصادات المفتوحة، فإن أدوات الاستثمار المحلية الموسعة قد تشجع توجيه جزء من المدخرات طوعاً داخل الكويت.
ويمكن لصناديق الاستثمار العقاري المتداولة، ومنصات الصكوك، وصناديق المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومنتجات الادخار طويلة الأجل المنظمة أن توفر قنوات متنوعة لتكوين رأس المال المحلي. وحتى مشاركة محافظة قد تترجم إلى استثمارات إضافية تتراوح بين 1 و2 مليار دولار سنوياً داخل الاقتصاد المحلي مع مرور الوقت، فالهدف ليس تغيير التدفقات المالية، بل توسيع خيارات الاستثمار وتعميق أسواق رأس المال الكويتية.
حجم الفرصة
مجتمعةً، يمكن للتقدم المنظم في التمويل الإسلامي والضيافة والعقار والابتكار والتعليم ودوران رأس المال المحلي أن يولّد ما بين 55 و85 مليار دولار من النشاط الاقتصادي غير النفطي الإضافي على المدى المتوسط.
هذه الأرقام ليست توقعات لتحول مفاجئ، بل تصور لما يمكن أن تحققه سياسات متسقة ومشاركة فعالة من القطاع الخاص. وحتى لو تحقق جزء من ذلك، فإنه سيعزز متانة المالية العامة، ويوسّع وظائف القطاع الخاص، ويفتح مسارات أوسع لخلق الثروة للمواطنين الكويتيين. سيبقى قطاع الهيدروكربونات أساسياً، لكن الفصل التالي من قصة الاقتصاد الكويتي يمكن أن يُعرَّف بالتكامل: تعزيز المرونة مع الحفاظ على الاستقرار.
الأسس موجودة، والقدرة واضحة، والفرصة قابلة للقياس، والمستفيدون على المدى الطويل سيكونون أجيال الكويت القادمة.