أمّ الحماقات

نشر في 12-02-2026
آخر تحديث 11-02-2026 | 20:19
 حسن العيسى

كما ردّد صدام حسين يوماً شعار «أمّ المعارك»، تبدو المنطقة اليوم على شفا «أمّ الخرائب» إذا مضت الولايات المتحدة في منطق التهديد والتصعيد ضد إيران. فخطاب القوة حين يتحوّل إلى سياسة، لا يفتح أبواب الردع بقدر ما يوسّع دوائر الفوضى.

منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، وضعت واشنطن طهران تحت طائلة العقوبات المتواصلة. تعاقبت الإدارات، وتبدّلت الأدوات، لكن النتيجة كانت واحدة: اقتصاد مُحاصَر، وعملة مُنهكة، وشعب يدفع الثمن. 

في ديسمبر الماضي، دخل الضغط طوراً أشد قسوة مع تضييق مالي خانق أطاح ما تبقى من استقرار نقدي، فانهارت القدرة الشرائية، واتسعت هوّة الفقر. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل أثمرت سياسة التجويع سياسياً؟ أم أنها عمّقت الانغلاق ودفعت المجتمع نحو المزيد من التصلّب؟

يرى الباحث تريتا بارسي، في لقاءٍ له مع قناة الجزيرة، أن الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، الذي أبرمته إدارة باراك أوباما ثم ألغته إدارة دونالد ترامب، لم يُضعف الدولة بقدر ما أضعف المجتمع.

فلو استمر الاتفاق، كما يقول، لنمت الطبقة الوسطى وتوسّعت مصالحها، ولكان بوسعها التفاوض من موقع قوة داخلية من أجل إصلاحات تدريجية. أما حين ضُرِبت العملة وتقلّصت الفرص، فقد تراجعت المساحات الاجتماعية القادرة على الضغط، وتقدّم خطاب الحصار والمواجهة.

ليست هذه أول مرة تختبر فيها واشنطن فعالية العقوبات الشاملة. في عراق التسعينيات، انتهى الحصار إلى جوعٍ ومرضٍ واستنزافٍ اجتماعي، دون أن يغيّر طبيعة السلطة. وفي كوبا، استمر الطوق عقوداً طويلة، في حين بقيت المعادلة السياسية على حالها تقريباً. التاريخ القريب يوحي أن الضغط الاقتصادي، حين ينفصل عن مسار سياسي واقعي، يُضعف المجتمعات أكثر مما يُسقط الأنظمة.

الخطر اليوم لا يقتصر على الاقتصاد الإيراني، بل يمتد إلى الإقليم بأسره. أي ضربة عسكرية لن تكون حدثاً معزولاً، ستطول أسواق الطاقة، وطرق الملاحة، وحسابات الأمن في الخليج. وستدفع الشعوب، مرّة أخرى، ثمن حسابات القوى الكبرى. ومن رحم الأزمات الطويلة تنمو جماعات التطرف، إذ يتغذّى اليأس على انسداد الأفق.

ما العمل إذن وغيوم المعركة تتكاثف؟... الخيار أمام دول المنطقة ليس بين الاصطفاف الأعمى أو الانتظار السلبي، بل بين بناء جبهة داخلية متماسكة أو ترك الفراغ لسياسات الآخرين. الالتحام بالشعوب، وتوسيع المشاركة، وتحصين الاقتصاد من صدمات الخارج، كلها أدوات ردع لا تقل أهمية عن السلاح.

فالدولة التي تستمد قوتها من رضا مجتمعها أقدر على امتصاص العواصف، وأقل عرضة للاستخدام كورقة في صراعات الغير.

السياسة الحكيمة لا تُقاس بعلوّ الصوت، بل بقدرتها على تجنّب «أمّ الحماقات». والمنطقة، التي دفعت كلفة مغامرات كبرى في العقود الماضية، ليست بحاجة إلى فصل جديد من الخراب، بل إلى عقلٍ باردٍ يقدّم التسوية على المغامرة، والواقعية على الشعارات.

back to top