وليد السيف: الموسيقى فعلٌ إنسانيّ حيّ
خلال ندوة «أصداء التراث... الموسيقى كتراث ثقافي غير مادي في العالم العربي الفرانكفوني»
نظّم المركز الفرنسي للأبحاث في شبه الجزيرة العربية بمقره في منطقة دسمان ندوة بعنوان «أصداء التراث... الموسيقى كتراث ثقافي غير مادي في العالم العربي الفرانكفوني»، قدّمها د. وليد السيف، وحضرها السفيران الفرنسي أوليفييه غوفان، والمغربي علي بن عيسى، ومديرة المعهد الفرنسي، المستشارة الثقافية بالسفارة الفرنسية، سورايا صاع، وجمع من المثقفين والمهتمين.
في البداية، تناول د. السيف مكانة الموسيقى والآلات الموسيقية التقليدية بوصفها تعبيرات حيّة عن التراث الثقافي غير المادي كما تعرّفه اتفاقية «يونسكو» لعام 2003، مع تركيز خاص على البلدان العربية التي تُستخدم اللغة الفرنسية على نطاق واسع، وهي موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومصر ولبنان وجيبوتي، حيث تعكس تقاليدها الموسيقية تاريخاً عميقاً من التبادل والذاكرة والإبداع.
وذكر السيف أن الندوة من رؤية ثقافية تعتبر الآلات الموسيقية حاملة للهوية والحياة المجتمعية، لا مجرد أدوات مادية صامتة، مؤكداً أن الموسيقى فعلٌ إنسانيّ حيّ يُمارَس ويُتوارَث ويُعاد تشكيله داخل المجتمع، وأن استمرارها مرهون بقدرة الناس على أدائها ومشاركتها ونقلها جيلاً بعد جيل ضمن سياقات اجتماعية وثقافية متجددة.
اتفاقية 2003
وتطرّق السيف إلى التحوّل الذي أحدثته اتفاقية عام 2003 في فهم معنى التراث، إذ لم يعُد مقتصراً على المعالم الأثرية أو المقتنيات المتحفية، بل اتسع ليشمل الممارسات الحيّة التي تجسّد الهوية والاستمرارية والإبداع الجماعي.
وفي هذا الإطار، تتحرّك الموسيقى عبر عدة مجالات التراث غير المادي في آنٍ واحد؛ فهي فن أداءٍ حي، وممارسة اجتماعية ملازمة للطقوس والأعراس والمناسبات، كما ترتبط بالحِرَف التقليدية من خلال صناعة الآلات ونقل معارفها التقنية والجمالية. وهذا التداخُل يمنح الموسيقى قوة رمزية وثقافية خاصة تجمع بين الصوت والمهارة والدلالة الاجتماعية والذاكرة الجمعية، لتغدو فضاءً تتقاطع فيه التجربة الفنية مع تفاصيل الحياة اليومية.
وسائط حيّة
كما أوضح السيف أن البلدان العربية المذكورة تمثّل نموذجاً ثرياً ومتماسكاً لدراسة الموسيقى بوصفها تراثاً حيّاً عابراً للحدود، نظراً لكونها جميعاً دولاً أطرافاً في الاتفاقية الدولية، إضافة إلى حضورها النشط في تسجيل عناصر موسيقية على قوائم «يونسكو».
ويكشف هذا الحضور عن دينامية ثقافية تتفاعل فيها المؤثرات المحلية مع الامتدادات التاريخية وروابط التبادل الثقافي بين هذه البلدان، بما يسمح بتعايش التقاليد المشتركة مع خصوصيات كل مجتمع، دون أن تفقد الموسيقى قدرتها على التعبير عن الهوية والانتماء وصياغة الذاكرة الجماعية داخل فضاء عربي متنوّع ومتصل في آنٍ واحد.
وأكد السيف أن القيمة الحقيقية للآلات الموسيقية لا تكمن في عرضها داخل خزائن المتاحف، بل في دورها بوصفها وسائط حيّة للنقل الثقافي تصاحب السرديات الشعبية والاحتفالات والطقوس الجماعية، وتحمل ذاكرة متجسّدة في الجسد والصوت والممارسة.
وأضاف أن تعلُّم العزف لا يقتصر على إتقانه تقنيا، بل يشمل فهم السياق الاجتماعي والرمزي للأداء: متى يُعزَف، ولمن، ولماذا. ومن هنا تتضح مركزية الآلات الموسيقية في عناصر التراث غير المادي المدرجة دولياً، باعتبارها شرطاً أساسياً لوجود الأداء واستمراره وانتقاله بين الأجيال.
التنوع البنيوي والجمالي
واستعرض السيف كذلك الأدوار المتكاملة للعائلات الآلية المختلفة في التقاليد الموسيقية في موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومصر ولبنان وجيبوتي؛ فالآلات الوترية ترتبط بالشِّعر والسرد والامتداد التاريخي للذاكرة، فيما تعبّر آلات النفخ عن الفضاءات المفتوحة وروح الاحتفال الجماعي وإعلان اللحظات المفصلية في حياة المجتمع، وتؤسس آلات الإيقاع لمشاركةٍ جماعية تجعل التراث تجربة مشتركة متاحة للجميع لا حكراً على فرد أو نخبة. ومن خلال هذا التنوع البنيوي والجمالي، تتجلّى الموسيقى بوصفها لغة إنسانية جامعة تصل الماضي بالحاضر، وتربط الفرد بالجماعة ضمن تجربة ثقافية متجددة باستمرار.
وفي الختام، شدد السيف على أن صون الموسيقى هو في جوهره صونٌ للهوية والذاكرة والإبداع الإنساني، وأن التراث الثقافي غير المادي لا يعيش في الأشياء الجامدة بقدر ما يعيش في الإنسان والصوت والتجربة المشتركة.
ومن ثمّ، فإن حماية الموسيقى تعني حماية قدرة البشر على التذكّر والانتماء والابتكار، وترسيخ حضور الثقافة بوصفها قوة حيّة قادرة على الاستمرار والتجدد وصناعة المعنى عبر الزمن.
وعلى هامش الندوة، أشاد السفير غوفان بما قدّمه د. السيف، وقال إن مناقشة السيف في المركز الفرنسي للأبحاث في شبه الجزيرة العربية كانت مميزة، حيث تناول الحديث الروابط التي تجمع بين الناس والثقافات والموسيقيين، من خلال سرد تاريخ الآلات الموسيقية في البلدان العربية الناطقة بالفرنسية.
من جانبه، قال السفير بن عيسى إن «محاضرة د. السيف حول الموسيقى والآلات الموسيقية في العالم العربي الفرانكفوني قيّمة للغاية، واستمعنا إليه باهتمام، حيث تطرّق إلى معلومات جديدة علينا».
السيف في سطور
د. وليد السيف حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الاقتصاد من جامعة كليرمنت الأميركية، وهو خبير معتمد لدى منظمة يونسكو في مجال التراث الثقافي غير المادي، والممثل السابق لدولة الكويت في اتفاقية «يونسكو» لعام 2003.
شغل عدداً من المناصب القيادية الرفيعة داخل «يونسكو» و«إيسيسكو» ومؤسسات ثقافية واقتصادية وطنية، منها: رئيس لجنة التراث في العالم الإسلامي للفترة من 2018 وحتى 2023، ونائب لرئيس الجمعية العامة السادسة لاتفاقية يونسكو لعام 2003.
وفي المجال الثقافي، عمل باحثاً ومحاضراً ومؤلفاً وجامعاً للآلات الموسيقية التقليدية من مختلف أنحاء العالم، حيث ينظر إلى تلك الآلات بوصفها ممارسة توثيقية تسهم في صون الذاكرة الثقافية الإنسانية.
وفي عام 2022، منحته فرنسا وسام الفنون والآداب برتبة فارس، تقديراً لإسهاماته البارزة في خدمة الثقافة وتعزيز حضور التراث الإنساني.
قول:
وليد السيف: صون الموسيقى هو في جوهره صونٌ للهوية والذاكرة والإبداع الإنساني