النفخ في القِرَب المثقوبة

نشر في 11-02-2026
آخر تحديث 10-02-2026 | 20:05
 حسن العيسى

ثمة موقفان لا ثالث لهما إزاء حرية التعبير: إما الدفاع عنها دون مواربة، حتى حين تتصل بآراء نرفضها أو نستنكرها، وإما التنكّر لها وتفضيل نماذج سلطوية مغلقة، من طراز الستالينية أو الفاشية. والمؤسف أن يظل التذكير بهذه البداهة ضرورة متجددة.

بهذا المعنى يذهب نعوم تشومسكي، في كتابه «مقالات في الفلسفة والفوضوية والطبيعة البشرية»، مؤكداً أن حرية التعبير لا تُجزّأ، وأن اختبارها الحقيقي يكمن في حماية الآراء المكروهة لا المتوافقة. ويستعيد تشومسكي، في موضع آخر، فكرة للفيلسوف الأميركي جون ديوي مفادها أن الغاية القصوى من الإنتاج ليست تراكم السلع، بل إنتاج الإنسان: الإنسان الحر، المتصل بغيره، والقادر على الفعل النقدي.

فالمثقف، وفق هذا التصور، ليس تابعاً أعمى لنصوص يفرضها المجتمع، ولا ترساً صغيراً في آلة كبرى، بل ذاتٌ مستقلة، صاحبة موقف، لا تنساق مع التيار السائد ولا تخضع لهيمنة السلطة.

غير أن مفهوم السلطة عند تشومسكي، وهو يكتب من داخل السياق الأميركي والغربي، يرتبط أساساً بمن يمتلك أدوات التأثير، وفي مقدمتها المؤسسات الإعلامية القادرة على توجيه الرأي العام، وتحديد ما يمكن قوله وما يُحظَر تداوله. هناك، تتجسد السلطة في تحالف رأس المال والإعلام، وفي هيمنة جماعات القلة المالية.

أما في العالم العربي فالصورة مختلفة في الشكل، وإن تقاطعت في الجوهر. السلطة هنا هي سلطة الزعيم الأوحد، والحكم الاستبدادي الذي يعقد، بحسب مصالحه، تحالفاتٍ متبدلة مع قوى مالية كبرى، أو جماعات دينية أو طائفية أو عرقية، لتوفير غطاء من الشرعية الجماهيرية.

في هذا المناخ، ومع امتداداته في عوالم الاستبداد المتشابهة، يغدو الحديث عن الحريات أو التنمية أو التقدم ضرباً من اللغو السياسي، خطاباً إنشائياً يملأ الفراغات الصحافية ولا يغيّر واقعاً ولا يبني إنساناً.

وإذا ما تسللت رسائل مستترة عبر مقال أو رأي، فإن مصيرها يبقى رهناً بذكاء القارئ وقدرته على التأويل والتخمين. أما المثقف الحُر فيظل، في نهاية المطاف، كمن ينفخ في قِرَب مثقوبة: جهدٌ لا ينقطع، ونتيجةٌ لا تُرى.

back to top