ماكرون: على أوروبا التأهب لصدامات جديدة مع أميركا

نشر في 11-02-2026
آخر تحديث 10-02-2026 | 22:51
ماكرون يتفقد مصنع الصلب الجديد لشركة أرسيلور ميتالز أمس (أ ف ب)
ماكرون يتفقد مصنع الصلب الجديد لشركة أرسيلور ميتالز أمس (أ ف ب)

في واحدة من أكثر تصريحاته جرأة على الإطلاق، شنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس، هجوماً عنيفاً على الولايات المتحدة، واصفاً إدارتها الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترامب بأنها «معادية لأوروبا بشكل علني»، وتسعى إلى «تفكيك» ‌تكتُّلها المؤلف من 27 دولة.

وعشية مؤتمر ميونيخ للأمن الذي يجمع القادة والخبراء على ضفتَي الأطلسي، قال ماكرون، في تصريحات لعدة صحف منها «لوموند» و«فاينانشال تايمز»، إن البيت الأبيض يُظهر «ازدراء واضحاً» للاتحاد الأوروبي، ويسعى إلى تفكيكه سياسياً واقتصادياً، مما يهدد العلاقات عبر المحيط الأطلسي ويضعها في مهب الرياح.

وأضاف: «عندما يكون هناك عمل عدواني واضح، أعتقد أن ما يجب أن نفعله ليس الخضوع أو محاولة التوصل إلى ‌تسوية. أظن أننا جرّبنا هذه الاستراتيجية على مدى أشهر، وهي ليست ناجحة، ومن المؤكد أن الولايات المتحدة ستهاجمنا في الأشهر المقبلة بشأن تنظيم القطاع الرقمي»، محذّراً من احتمال أن يفرض ترامب رسوما جمركية على الواردات إذا استخدم الاتحاد الأوروبي قانون الخدمات الرقمية للتحكم في شركات التكنولوجيا.

وحثّ ماكرون قادة الدول الأوروبية على الاستعداد لمزيد من الصدامات مع الولايات المتحدة، وأن تتعامل مع مسألة غرينلاند على ‌أنها جرس إنذار لدفع الإصلاحات الاقتصادية المتأخرة وتعزيز القوة العالمية للتكتل الأوروبي.

وحذّر الرئيس الفرنسي قادة أوروبا من الانسياق وراء وهم الاستقرار وتفسير التهدئة على أنها تحوُّل دائم، مشدداً على أن التوترات مع الولايات المتحدة لم تنته بعد، وموضحاً أن هناك ملفات شائكة لا تزال تمثّل نقاط خلاف جوهرية، بينها ملف غرينلاند، والسيادة التكنولوجية، والنزاعات التجارية المتصاعدة.

وعن أسلوب تعامله مع نظيره الأميركي، قال ماكرون: «أتعامل مع ترامب باحترام، لا بضعف»، في إشارة إلى رغبته في الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن دون التنازل عن السيادة الأوروبية.

وجدد ماكرون، الذي تنتهي ولايته الثانية في ربيع 2027، دعوته للاتحاد الأوروبي للبدء في استحداث وسيلة ‌للاقتراض ⁠المشترك للمساعدة على الاستثمار على نطاق واسع، معتبراً أن الوقت قد حان لتحدّي هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي. 

وأكد أن هذه الخطوة تمثّل ثورة في الفكر الاقتصادي الأوروبي، وتهدف إلى تقليل اعتماد القارة العجوز على العملة الأميركية وتعزيز استقلالها المالي.

واعتبر ماكرون أن أوروبا بحاجة إلى أن تكون أكثر مرونة في مواجهة التحدي المزدوج من الولايات المتحدة والصين. قائلاً: «نواجه تسونامي صينيا على الجبهة التجارية، ونواجه عدم استقرار ‌لحظة بلحظة على الجانب الأميركي. هاتان الأزمتان تشكلان صدمة عميقة للأوروبيين».

كما تطرّق الى قضية المجرم الجنسي الأميركي جيفري إبستين، التي امتدت إلى ما وراء الحدود الأميركية، ودفعت وزير الثقافة الفرنسي السابق، جاك لانغ، إلى الاستقالة من رئاسة معهد العالم العربي في باريس، وطالب «النظام القضائي في الولايات المتحدة بالقيام بعمله باستقلالية وهدوء». 

ورغم تأكده من أن هذه القضية تخص الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، فقد قال ماكرون: «من الواضح أن إبستين كان يمتلك شبكة واسعة، وأرى أن هذا الأمر يغذي الكثير من نظريات المؤامرة وغيرها»، داعيا إلى «عمل صحافي حقيقي».

إلى ذلك، نفى ماكرون موت برنامج استبدال الطائرات الحربية ‌المشترك مع ألمانيا وإسبانيا، وعبّر عن أمله في مناقشة خطط ‌استبدال طائرات الرافال الفرنسية واليوروفايتر الألمانية والإسبانية بطائرة نفاثة مع المستشار الألماني ‌فريدريش ميرتس قريباً لإحراز تقدُّم بشأنه.

واستخدم الاتحاد الأوروبي الديون ⁠المشتركة عام ‍2020 ‌لإعادة تنشيط الاقتصاد الأوروبي بعد جائحة كوفيد- 19، لكن محاولات فرنسا لجعل هذه الأدوات دائمة واجهت مقاومة شديدة من ألمانيا ودول أعضاء أخرى في الشمال.

وستشمل قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل غداً الخميس مناقشات حول الخطط التي تقودها فرنسا لوضع استراتيجية «صنع في أوروبا» تحدد المتطلبات الدنيا للمحتوى الأوروبي في السلع المصنّعة محليا، وقد أدى هذا النهج إلى انقسام دول الاتحاد الأوروبي وإثارة قلق شركات صناعة السيارات.

وفي تطور مواز، أعرب ماكرون عن اعتقاده بأن على أوروبا استئناف الحوار المباشر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، معتبراً أن أوروبا لا يمكنها أن تفوض واشنطن في مناقشاتها مع روسيا.

وقال ماكرون: «لقد أعدنا فتح قنوات الحوار على المستوى الفني»، مؤكداً ضرورة اتباع نهج أوروبي منظم ولا ينبغي أن يكون هناك عدد كبير من الأطراف المتحاورة مع روسيا.

وفي روسيا، أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف تلقي تصريحات ماكرون بإعجاب واخذها بعين الاعتبار، مشيراً إلى أن الاتصالات التقنية مع فرنسا يمكن أن تمهد الطريق لحوار على أعلى مستوى.

back to top