مصيدة العسل التي تحكم العالم

نشر في 11-02-2026
آخر تحديث 10-02-2026 | 19:18
 إبراهيم حامد العاسمي

جاءت قضية «جيفري إبستين» لتكشف النموذج المرعب الذي يدار به العالم خلف الأبواب الموصدة، ولتظهر كيف تحولت «الإحدى عشرة دقيقة»، كما سماها الكاتب البرازيلي باولو كويلو، إلى «مصيدة عسل» علق فيها عمالقة السياسة والمال والاقتصاد. 

في تلك الجزيرة المعزولة والقصور المغلقة، حيكت واحدة من أخطر المؤامرات، حين ظن الجميع أنهم بمنأى عن عيون البشر ويمكنهم أن يمارسوا رغباتهم المتوحشة بحرية نُصب لهم فخ بعناية فائقة ضمن خطة خبيثة وماكرة. واستطاع إبستين ومن يقف خلفه استثمار لحظات اللذة العابرة لإمساك رقاب رجال النخبة العالمية، الذين تحولوا بين يديه من صانعي قرارات العالم إلى رهائن لأسرارٍ لا ترحم، بعد أن أصبحت تلك الدقائق «الإحدى عشرة» وثيقة إدانة فعالة لإسقاطهم في مستنقع التبعية والابتزاز، وبالتالي جعل التحكم فيهم أمراً بديهياً وحتمياً.

لكن ما كشفته قضية إبستين في اللقطة المقَرَّبة على المشهد ليس إلا النسخة «الخشنة» والمركزة لنموذج أوسع لكنه أكثر نعومة يُطبق اليوم على المجتمعات بأكملها، يشبه إلى حد بعيد «مصيدة الفئران اللاصقة»، فإذا كان الابتزاز بالجنس قد استُخدم لإخضاع النخبة، فإن «الإغراق بالمتعة» يُستخدم اليوم لشل حركة الشعوب وإعادة صياغة وعيها. نحن نعيش اليوم في عالم فاسد يمكن أن نسميه «ديستوبيا الرغبة»، حيث تُدار فيها المجتمعات عبر إشغالها المستمر بالإثارة واللحظة والجسد، لتصبح أداة تنظيم وسيطرة ناعمة. وتكون أكثر جاذبية حين تُقدم كطُعم في ثوب الحرية المزركش، بينما تمارس في الجوهر وظيفة الإشغال الشامل للوعي وتفتيت القدرة على التفكير الجاد.

تجتذب «ديستوبيا الرغبة» ضحاياها من البشر كما يجتذب الطُعم فوق سطح لاصق فأراً جائعاً يمنّي نفسه بوجبة لذيذة، ومن يقع في شراكها يجد نفسه عالقاً في سيل لا ينقطع من المحتوى الغريزي الجذاب عبر الشاشات حيث تشد الصورة، والمقطع المرئي، والمشهد السريع، الانتباه بقوة، ثم تفتته، وتمنع الوعي من القفز إلى أي قضية جادة أو فكرة عميقة، ليجد الإنسان نفسه ملتصقاً بلحظة إثارة جديدة تمنعه من الحراك الفكري. بهذا التحول، أصبحت الرغبة أداة تنظيم يومية تخرج من حدود «سوق المتعة» المعتاد لتتحول إلى مهمة وظيفية لإدارة الشعوب.

هذا الإغراق المتعمد بالمتعة يحول المجتمعات من كيانات فاعلة إلى مجموعات من المستهلكين المنغمسين في إدمان لحظي لا ينتهي. وعندما يصبح الجسد هو السردية الوحيدة، وتصبح تلك الدقائق المعدودة هي الغاية القصوى، يخفت صوت العقل وتتراجع القضايا المصيرية لتصبح مجرد ضجيج غير مرغوب يزعج صفو اللذة. إنها عملية «تخدير جماعي» تجعل السيطرة على الشعوب أمراً سهلاً، فالمجتمع المستغرق في رغباته هو مجتمع يسهل التنبؤ بسلوكه وتوجيهه بنعومة دون الحاجة إلى أدوات القمع التقليدية.

«إحدى عشرة دقيقة» تحكم العالم اليوم لأنها تشغله ببساطتها، ولأنها قادرة في الوقت ذاته على إسقاط أعتى القوى في «مصيدة عسل» كبرى، كما فعل إبستين ومن خلفه، وإسقاط الشعوب في «مصيدة لاصقة» لا فكاك منها.

لاشك أن هذا الأسلوب من التحكم بالبشر يعيد تعريف الإنسان ككائن قابل للإدارة عبر رغبة واحدة مكثفة، تجعل من تلك اللحظة القصيرة كافية لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي، وصياغة مستقبل المجتمعات خلف ستار من اللذة الزائفة.

*كاتب سوري مقيم في كندا

back to top