الأغلبية الصامتة: اللاهثون
كنا أرقاماً ثقيلة يحسب حسابها في كل دعوة ومناسبة، كنا نجلس في صدر المجالس، وكنا مصادر موثوقة لأصحاب القرار الكبار للخبر والرأي والتحليل، واليوم نحن نتزاحم مع المراهقين وجنرالات مجالس النميمة في خطوط «التايم لاين».
في زمن كانت به منافذ الشهرة مألوفة ومحدودة (فن، صحافة وإعلام، رياضة، سياسة)، كنا نستطيع تفسير الكثير من حالات جوع الشهرة الذي يصيب من كانوا وسط دائرة الأضواء، ثم وجدوا أنفسهم خارجها، برغبتهم أو رغماً عنهم، وكيف تعاملوا مع الشهرة في عزها وبعد زوالها.
ما يهمني في هذا الموضوع هو مرحلة ما بعد الزوال، لأنها مرحلة الاختبار الحقيقي لكل شعارات مرحلة الشهرة، وهنا أجد في حالة الرياضيين وخصوصاً لاعبي كرة القدم، أفضل مثال على حالة التصالح مع مرحلة ما بعد الشهرة، لأنها مرتبطة بشكل رئيسي بالعمر الذي لا يمكن إيقاف تقدمه، والأداء الذي يصعب حفظه بالثلاجة، لذلك وعليه فكل لاعب يعرف عام اعتزاله ما لم يتعرض لإصابة تخرجه من الملعب قبل ميعاده.
مرحلة ما بعد زوال الشهرة وأعراضها في هذا الزمن، ليست مختلفة كثيراً عما كان يحصل في الماضي، والجديد هنا هو منصات التواصل التي أوجدت لجوعى الشهرة مكاناً يندبون فيه أيامهم الغابرة، ويلعنون الزمان الذين لم يعد لهم فيه مقعد ولو في الصفوف الخلفية. يعود الهوس بالشهرة إلى جذور نفسية عميقة مرتبطة بالحاجة إلى الاعتراف والقبول ولو للحظات عابرة.
من عالم الصحافة الورقية، أشهد يومياً على حالات لا تريد الاعتراف بأن زمانها انتهى بلا رجعة، خاصة وأن حضورها السابق لم يكن غير تأدية دور الأداة، وحالات تجمدت عند مفردات خطاب واحد تعجز عن تغييره، وحالات تعتقد أنها صنعت الآخرين وكل مكونات المشهد، ويجب على الجميع تأدية واجب الاعتراف بفضلها كل صباح.
ومن عالم السياسة، رأيت تقلبات الزمان لبرلمانيين ضمنوا النجاح في زمن كل مرة إلى الخسارة كل مرة، غيروا خطابهم وانقلبوا على كل شيء جميل فعلوه في تاريخهم، وأكملوا حالة التردي والتراجع عبر منصات التواصل بافتعال المشاحنات مع خصومهم السابقين وطرح الآراء المثيرة أملاً في «الترند» والبقاء ولو لساعة تحت الأضواء.
أما المشهد المضحك فهو لأشخاص يعتقدون أنهم مشاهير في مجال هو بالأساس ليست له شعبية طاغية، ويخوضون في منصة اكس معارك شبه يومية مليئة بالتذمر على كل نشاط ليسوا فيه كمتحدثين أو مديري جلسة، أما معركتهم الكبرى فهي مع أي جهة تدعو أي شخص من خارج الكويت يعمل في نفس مجالهم، وليسوا هم.
في الختام، تبقى الجودة الحقيقية هي الأساس الأكثر صلابة للبقاء، وليس ضجيج الصراعات المؤقتة، وقد يكون الدرس الأهم مما رأيناه هو أن الشهرة المستدامة تُبنى على الإنجاز وليس الجدال.