وجهة نظر: استراتيجية القطاع النفطي في مؤتمر 2026!
جاء مؤتمر KOGS 2026 في الأسبوع الأول من فبراير الجاري بنسخته الخامسة للنفط والغاز بحضور لافت يمكن وصفه بأنه الأضخم من نوعه، وسط زخم إعلامي غير مسبوق يعكس حجم الرهانات المعقودة على قطاع الطاقة في المرحلة المقبلة.
وقد شهد المؤتمر توقيع عدد كبير من العقود عبر مختلف سلاسل القيمة، من المنبع (Upstream) إلى التكرير والبتروكيماويات والبنى التحتية وحتى مشاريع الطاقة المتجددة. ومن بين أبرزها عقود مثل «شاهين» لتطوير شبكة الأنابيب، و»سيف» للاستكشافات البحرية الحديثة، وهي اتفاقيات يتباين تقييمها بين ما يبعث على التفاؤل وما يثير القلق!
غير أن الحديث الأهم يتركز على عقود المنبع الجديدة التي وُقّعت خلال المؤتمر، حيث طغى نموذج الشراكة بنظام إدارة الإنتاج المتكامل (IPM) بصيغة «تسليم مفتاح».
وقد شملت البداية تطوير حقل «مطربة» العميق واستكشافات برية أخرى، إلى جانب مشاريع تطوير الاكتشافات البحرية الجديدة، في إطار هدف استراتيجي معلن يتمثل في رفع القدرة الإنتاجية إلى 4 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2035.
في كلمات المسؤولين، تكرر تأكيد توافق هذه العقود مع الدستور الكويتي وعدم التنازل عن ثروات الوطن، والبرميل الكويتي الأرخص كلفة، مع الإشارة إلى تعديل في اتفاقية عمليات الخفجي المشتركة دون الإفصاح عن التفاصيل.
أما المبررات المعلنة فتمثلت في توظيف أحدث التقنيات في الإنتاج، وتعزيز تبادل الخبرات مع الشركات العالمية، إضافة إلى اعتبارات اقتصادية وفنية تتعلق بحداثة بعض الحقول وبعدها الجغرافي «مناطق نائية»! وما يتطلبه ذلك من خبرات متخصصة.
وينعقد هذا المؤتمر على خلفية تاريخ نفطي عريق يقترب من 90 عاماً من العمل المتواصل في قطاع شكّل العمود الفقري للاقتصاد الكويتي. وإذا ما احتُسبت الخبرة التراكمية لمئات الكوادر التي تعاقبت على الصناعة النفطية، فإنها - بتحفّظ - تلامس مئات آلاف السنين من المعرفة العملية المتراكمة. ويضم القطاع اليوم أكثر من 23 ألف موظف كويتي في المجالات الفنية والإدارية، مما يعكس قاعدة بشرية واسعة يفترض أن تشكل رصيداً مؤسسياً متيناً. ورغم أن بعض الحقول دخلت مرحلة الكهولة، المصطنعة، نتيجة أساليب الإنتاج المكثف، والمتهور، فإن أرض الكويت لا تزال جيولوجياً تحتفظ باحتياطيات سهلة تُقدّر بنحو 30 مليار برميل، مما يعني أن التحدي ليس في شح الموارد بقدر ما هو في إدارة تطويرها.
وعلى مدى العقود الماضية، استعان القطاع بأكثر من 10 شركات عالمية عملاقة في مجالات المقاولات الفنية والتشغيلية والاستشارية، بعقود سخية، فضلاً عن شركات متوسطة وصغيرة. ومع ذلك، بقيت القدرة الإنتاجية تراوح مكانها حول 2.5 مليون برميل يومياً، دون انتقال نوعي نحو سقوف أعلى مستقرة، طوال ما لا يقل عن 25 عاماً. وهذه المفارقة تفرض قراءة نقدية هادئة لمسار السياسات والخيارات التشغيلية.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تمثّل هذه المخاطرة بتحولٍ استراتيجي نحو عقود الإنتاج المتكامل (IPM) تجسيداً لاستراتيجية الدولة بعيدة المدى، أم أنها خيار قطاعي محدود تحكمه اعتبارات آنية؟ الأهداف المعلنة تبدو جذابة: إدخال تكنولوجيا متقدمة، نقل خبرات عالمية، تسريع الإنتاج من حقول صعبة في مناطق نائية، وتحقيق وفر مالي. غير أن جوهر الانتقال من عقود الخدمات المنفصلة إلى نموذج «الإنتاج المتكامل» يثير تساؤلات أعمق، إذ يُفهم منه التفافٌ عملي على فلسفة قانون تأميم المخزون النفطي، عبر تحويل علاقة المقاول من أجرٍ مقابل مخزون إلى مقابلٍ مرتبط بالإنتاج نفسه.
وتوحي بعض الخطابات أن بطء تطوير الحقول العملاقة وبلوغها مرحلة الكهولة يعود إلى قصور في خبرة الكادر الوطني، رغم عقود طويلة من الاستعانة بأكبر الشركات الاستشارية والتشغيلية. بينما تشير قراءات سابقة إلى أن تعارض المصالح وضعف الحوكمة كانا السبب الأبرز، حتى في ظل نظام المقاولات التقليدي الخاضع للرقابة، فكيف ستكون الحال في نموذج يمنح الشركات استقلالاً إدارياً شبه كامل؟ إن هذا الاستقلال لا يعزز الرقابة، ولا يؤسس لقاعدة ابتكارية وطنية، بل قد يعمّق الارتهان ويحدّ من فرص التعلم المؤسسي.
المفارقة أن مرحلة الاستكشاف - وهي الأصعب - يفترض أُنجزت بالكادر الوطني وضمن النظام القائم، مما يعني أن تطوير الحقول، وهي المرحلة الأسهل نسبياً، كان يمكن أن يشكّل مختبراً لبناء قدرات محلية راسخة.
تضخيم صعوبة الإنتاج الجديد لا يصمد أمام واقع الاكتشافات الحديثة في مختلف الأعماق ونوعية المكامن ومحتواها. كما أن إخفاق شركات كبرى طوال 3 عقود في خفض الكلف أو توطين التقنية، رغم العقود السخية، لا يُعالَج بتغيير النموذج التعاقدي فحسب. والسؤال المؤلم: ماذا تراكم من معرفة وطنية في ملفات النفط الثقيل والغاز الحر خلال 20 عاماً؟ تاريخ القطاع يُظهر أن العثرات المكلفة غالباً ما وقعت في فترات الوفرة، ولهذا تكررت فقرات أن كلفة البرميل الكويتي هو الأقل عالميا، وهو كلام غير دقيق! يبدو صخب المؤتمر أقرب إلى إعلان عودةٍ إلى نقطة التأسيس، بإيحاء سياسي يتقاطع مع سياقات جيوسياسية أوسع.