في المرمى: صافرة مستوردة وعدالة مفقودة
منذ سنوات، ونحن نردد السؤال ذاته: لماذا نصرّ على الاستعانة بالحكام الأجانب لإدارة مبارياتنا المحلية؟ ومع كل جولة من جولات المنافسات، يثبت الواقع صحة ما كنا نكتبه ونتداوله، أخطاء تتكرر، قرارات مثيرة للجدل، وصافرات لا تقل إثارة للغضب عن نظيرتها المحلية، إن لم تتفوق عليها أحياناً.
الفكرة التي تم تسويقها طويلاً خصوصاً من جانب بعض الأندية كانت تقوم على أن الحكم الأجنبي هو الحل السحري لمشاكل التحكيم، وأن حضوره سيضمن العدالة ويخفف من حدة الاحتجاجات. لكن ما يحدث على أرض الملعب يقول غير ذلك تماماً. الحكم يأتي، يؤدي مهمته، يحصل على أجره، ثم يغادر دون أن يلتفت لما خلّفه خلفه من جدل أو احتقان. أما من «يأكلها» فعلياً فهم الأندية المتواجهة وجماهيرها التي تخرج من المدرجات وهي تشعر أن نتيجة المباراة لم تُحسم فقط بجهد اللاعبين.
مباراتا القادسية والكويت، وكذلك مواجهة العربي أمام كاظمة هذا الأسبوع، قدمت نماذج واضحة لأخطاء لا تُغتفر، قرارات غيّرت مجرى اللقاءات، وحالات تحكيمية فتحت أبواب النقاش على مصراعيها. ومع ذلك، لا نرى محاسبة حقيقية، ولا توضيحات شافية، وكأن الأمر عابر لا يستحق الوقوف عنده.
وفي خضم هذا المشهد، يبقى الحكم المحلي الضحية الأكبر. يتم إبعاده بحجة عدم ثقة الأندية، أو خوفه من الضغوط، أو حتى “حمايته” من المباريات الحساسة. لكن كيف سيتطور إذا لم يُمنح الفرصة؟ وكيف سيكتسب الخبرة إن ظل حبيس المدرجات؟ المفارقة أننا نشتكي من ضعف التحكيم المحلي، ثم نحرمه من أهم أدوات التطور: الاحتكاك والتجربة.
تصوّروا لو أن هذه الأخطاء نفسها ارتكبها حكم وطني، ماذا كان سيكون حاله؟ على الأرجح كنا سنشهد عاصفة من الانتقادات، وبيانات غاضبة، ومطالبات فورية بالإيقاف، وربما نُبشت ملفات قديمة لا علاقة لها بالمباراة، وكان سيتحول بين ليلة وضحاها إلى “المتهم الأول”، وتُعلّق عليه كل خسارة، ويُقدَّم كدليل جديد على ضعف التحكيم المحلي. أما الحكم الأجنبي، فيغادر بهدوء بعد صافرة النهاية، يترك الجدل خلفه ويركب الطائرة، بينما تستمر الحكاية عندنا أياماً قبل أن تُنسى. المفارقة المؤلمة أن القسوة دائماً على «ولد الديرة»، والتسامح مع الضيف... وكأن الثقة تُمنح بجواز السفر لا بالكفاءة.
النتيجة اليوم واضحة، حكامنا متوقفون عن التقدم، والحكام الأجانب يتعاملون مع مبارياتنا كأنها محطة عمل إضافية، بينما تستمر كرتنا في الدوران داخل الحلقة ذاتها دون أي قفزة حقيقية نحو الأمام. التطور لا يُشترى بفاتورة حكم مستورد، بل يُبنى بثقة واستثمار في الكفاءات المحلية.
بنلتي
إذا كنا نظن أن الحكم الأجنبي هو طوق النجاة، فالأجدر أن نسأل: نجاة لمن بالضبط؟ «لأن اللي قاعد يصير عندنا اليوم أشبه بتجربة مدفوعة الثمن... احنا ندفع، وغيرنا يخطئ»، وفي النهاية نكتشف أن صافرتنا “المستوردة” تحتاج هي الأخرى إلى حكم!