هل نحتاج إلى عقاقير مضادّة للغطرسة؟

نشر في 09-02-2026
آخر تحديث 08-02-2026 | 18:42
 حسن العيسى

لو أمكن للأطباء النفسيين أن يبتكروا عقاقير مضادّة للعنصرية، للتعالي، للشوفينية، للتكبّر، وللهوس بـ «الأنا»، لاحتجنا – بلا مبالغة – إلى شحنات كاملة من تلك الحبوب، ليس بوصفها علاجاً جسدياً، بل كتحصين رمزي ضد ما يمكن تسميته فيروس الغطرسة الاجتماعية، ذلك الداء النفسي الذي يتفشى بصمت، ويُمارَس أحياناً باعتباره فضيلة لا رذيلة.

هذه الحالة ليست حكراً على مجتمعات بعينها، فهي ظاهرة عالمية تتغذى على الخوف، وعلى القلق من الآخر، وعلى وهم الامتياز الدائم. غير أن الفارق الجوهري يكمن في السياق، ففي البلدان التي قطعت شوطاً في ترسيخ الحريات، يجد المثقفون المهتمون بالشأن الإنساني – ولو عبر منصّات محدودة – فسحة للتعبير عن رفضهم للفاشية الجديدة التي تمدّدت خلال العقود الأخيرة. أما في واقعنا، فالمشهد مقلوب، إذ تُفتح المنابر، وتُفرش السجادات الحمراء، لا لخطاب النقد، بل لخطاب الإقصاء والكراهية.

وعندما يحاول صوت مختلف أن يقدّم قراءة مغايرة أو يخرج عن إجماع «جماعة المزايدين»، تتكاثر العوائق في طريقه، ألف عقدة وألف شوكة، فقط لأنه لم يلتزم بالنغمة المطلوبة، ولم يردّد ما يُراد له أن يُقال.

في هذا الخطاب السائد، تتجلى كراهية صريحة للوافد، وللبدون، ولمن سُحبت جنسياتهم تحت أي ذريعة. يُنظر إلى هؤلاء جميعاً باعتبارهم «آخرين» جاؤوا فقط للاستفادة من خيرات الوطن، وكأن وجودهم محض صفقة نفعية، أو عبء ينبغي احتماله لا شركاء في المجتمع. يُطلب منهم العمل، لكن من دون حق في المساواة، أو حتى في الاعتراض، وكأن المطلوب منهم أن يؤدّوا دورهم بصمت.

يصف بعض المفكرين هذه الحالة بأنها نمط ما قبل فاشيّ، خضوع آلي للقيم السائدة من دون أي مساءلة، انجذاب دائم إلى الأقوياء وأصحاب النفوذ، تفكير جامد يقوم على القوالب النمطية، وميل إلى الخرافة واللامعقول بدل العقل والتحليل. والأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب لا يُقال همساً، بل يُنشر يومياً في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، بلا كلل ولا ملل، حتى ليبدو أن أيدي أصحابه لا تتعب من قرع طبول التزلّف والمداهنة.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: ما العمل مع هؤلاء؟!

بل: كيف وصلنا إلى مرحلة يُكافأ فيها هذا الخطاب، ويُضيَّق فيها الخناق على كل محاولة للتفكير خارج السرب؟!

back to top