مفكرون: للكويت دور رائد في مسيرة الثقافة العربية من الإرث إلى الإبداع
في ختام احتفالية الكويت عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025
افتتح الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب د. محمد الجسار الندوة الرئيسة لمهرجان القرين الثقافي في دورته الحادية والثلاثين بعنوان «من الإرث إلى الإبداع: الكويت ومسيرة الثقافة العربية» أمس، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمفكرين والمثقفين من الكويت والعالم العربي في الحدث الثقافي الختامي لاحتفالية الكويت عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025.
وأوضح الجسار، في كلمته، أن المتحدثين في جلسات الندوة يناقشون على مدى 3 أيام فلسفة التجربة الثقافية الكويتية، في مجالاتها المختلفة كالمسرح والأدب والإعلام والموسيقى والفنون والسرد كنموذج لدولةٍ آمنت بدور الثقافة بوصفها عنصرا أصيلا في مشروعها الوطني، ورافدا أساسيا من روافد نهضتها الشاملة، فاحتضنت الفكر الحر، ودعمت الكلمة المسؤولة، وفتحت آفاقها للمثقفين والمبدعين من داخل الكويت وخارجها، لتغدو منارةً للمعرفة، وجسرا للتواصل الثقافي العربي، ومنطلقا لمجلات رائدة، ومؤسسات ثقافية مؤثرة، ومشاريع فكرية أسهمت في تشكيل الوعي العربي الحديث.
وافتتحت أعمال الندوة، التي أدارها د. أحمد الفرج، بكلمة د. سليمان العسكري، التي سلط خلالها الضوء على الدور التاريخي لمجلة «العربي» كمشروع ثقافي عربي انطلق من الكويت عام 1958، مؤكدا أن المجلة لم تكن مجرد مشروع محلي، بل كانت جسرا للثقافة العربية بأكملها، في وقت كانت الكويت فيه لا تزال في مرحلة بداياتها الاقتصادية والمجتمعية، حيث واجهت صعوبات دخول الحقل الثقافي العربي، ومع ذلك سخّرت الدولة كل الإمكانات المالية والإدارية لضمان انتظام صدور المجلة في أول كل شهر، ووصولها إلى أقطار العالم العربي وخارجه.
وأكد العسكري أن «العربي» مثلت مشروع نهضة حقيقيا على مستوى الثقافة العربية، وأثّرت في القراء والمثقفين في العالم العربي منذ اليوم الأول، حتى أصبح ظهور كل عدد من المجلة مناسبة للاحتفال والمراجعة الفكرية على الساحة العربية، مشيرا أيضا إلى سلسلة "عالم المعرفة"، وتأثيرها على الثقافة العربية والعالمية والتي بدأت منذ حوالي 47 سنة، فضلا عن الترجمة التي شكلت جزءا أساسيا من الحركة الثقافية بجلبها المعرفة العالمية إلى الجمهور العربي.
وقال إن الكويت نجحت في توحيد الثقافة العربية عبر اختيار موضوعات تلهم القراء في مختلف المناطق، ونقل المعرفة العالمية عبر المجلات والمطبوعات المترجمة وأسهمت هذه الجهود في إنشاء مكتبات معرفية قوية وبناء قاعدة ثقافية راسخة أثرت على الثقافة العربية، كما أن الصحافة الكويتية، بدعم حكومي ومطبوعات متطورة، أسست نفسها كمركز إعلامي، ناشرة كتبا للمؤلفين العرب والكويتيين، ومقدمة منصات للإبداع والمعرفة، موضحا أن هذه المؤسسات أعطت الكويت دورا رائدا في التنمية الفكرية، وربطت القراء العرب بالعلوم والفنون والأدب الحديث، وجعلت الصحافة والمطبوعات رافدا أساسيا للثقافة العربية.
من ناحيته، تطرق د. سعود الحربي إلى اللغة العربية والهوية والقيم كأحد محاور الجهود الكويتية التي ربطت الثقافة بالرسالة الإنسانية، وأعطت المثقف مساحة للإبداع والمبادرة، حيث دعمت الدولة المبدعين والمثقفين بالجوائز والمنح، في الداخل والخارج.
ما أسهم في تعزيز الإبداع المعرفي والفكري، كما أسست بيئة مستقرة للنشر والمعرفة، مع الالتزام بالمعايير الدولية للحقوق الثقافية.
وأشار الحربي إلى أن الصحافة والمطبوعات كانت رافدا أساسيا، حيث أسهمت المجلات والكتب في توسيع الفضاء المعرفي، ووفرت مصادر موثوقة للعلم والأدب، موضحا أن عام الكويت عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025 أكد التزام الدولة بمراجعة الذات الثقافية، وتعزيز الحوار والتبادل الفكري، وتعزيز دور الثقافة في بناء جسور الفهم الإنساني لتصبح الكويت نموذجا رائدا في جعل الثقافة جسرا عربيا جامعا، وداعما للإبداع، ورافدا أساسيا للهوية العربية، مع استمرارية مشروعها الثقافي عبر الزمن، من خلال التعليم، والمؤسسات، والمبادرات الفكرية، ما يجعلها منارة للمعرفة والفكر العربي.
وفي كلمته تناول الإعلامي السعودي محمد رضا نصرالله، تاريخ النشر والصحافة والمجلات في الكويت والعالم العربي، مع التركيز على دور الشخصيات الثقافية مثل عبدالعزيز الرشيد الذي أصدر مجلة الكويت سنة 1928 وغيرها من النشاطات الثقافية المبكرة في الكويت، حيث تم إصدار صحف ومجلات رغم الإمكانيات المحدودة، مستلهمين من مجلات وصحف كانت تصل عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من الهند وأقاصي القارة الهندية.
وأشار نصرالله إلى هاشم الرفاعي الذي أصدر صحفا ومجلات في البصرة ثم في الكويت، وأحمد الصقار الذي كُلّف بالسفر إلى العواصم الثقافية العربية للاجتماع بالمفكرين والعلماء (بغداد، بيروت، القاهرة)؛ استعدادا لإطلاق مجلة العربي سنة 1958 وغيرهم من الأسماء البارزة في الثقافية الكويتية.
ولفت إلى إنشاء جامعة الكويت وتأثيرها على الثقافة والفلسفة في الكويت، بمشاركة أكاديميين عرب لتدريس الفلسفة والفكر العربي، مثل عبدالرحمن بلوي وزكي نجيب محمود ما وفر بيئة ثقافية وحرة للمفكرين والباحثين لتتحول رحلة الثقافة الكويتية من الصحافة البسيطة إلى المجلات المتخصصة، ثم التعليم الجامعي، وصولا إلى البحث العلمي والفلسفي.
وفي كلمته، قال د. الزواوي بغوره من الجزائر، إن للكويت، كدولة ومؤسسات ومجتمع وأفراد، في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، إسهاما مشهودا، تؤكده الوقائع والمعطيات والممارسات والوثائق والدراسات التاريخية، والأعمال الجارية، والخطط المستقبلية، مدللا على ذلك بأعمال الندوة الفلسفية الثانية عشرة التي نظمتها الجمعية الفلسفية المصرية بجامعة القاهرة في نوفمبر عام 2000، بعنوان: الفلسفة في الوطن العربي في 100عام، وأعمال الندوة التي أقيمت في الكويت بالتعاون مع المنظمة العربية للثقافة و التربية والعلوم، في 2002، بعنوان: إسهامات الكويت في الثقافة العربية.
وأشاد بجهود المجلات الكويتية في تعزيز المشهد الثقافي العربي، ومنها المجلة العربية للعلوم الإنسانية، والمجلة الاجتماعية، ومجلة الشريعة والدراسات الاسلامية والمجلة التربوية، ومجلة الخليج والجزيرة العربية، ومجلة القانون ومجلات المجلس الوطني، خصوصا مجلة عالم الفكر والثقافة العالمية، ومجلة العربي.
وفي ختام الندوة تحدث الإعلامي ياسر عبدالحافظ من مصر، أَنَّ مجلة العربي التي صدرت في ديسمبر 1958 كانت علامة فارقة في الصحافة الثقافية الكويتية، متجاوزة التوجهات الضيقة ومقدمة للمعرفة العربية والإسلامية، لافتا إلى أن الكويت ساهمت منذ ذلك الحين في بناء وعي ثقافي شامل، ومواجهة التطرف، ودعم المثقفين، رغم تحديات الغزو العراقي الذي هز المجتمع العربي.
وأوضح عبدالحافظ أن الصحافة والمجلات الكويتية كانت منصات لنشر الفكر والفلسفة، ومتابعة التحولات الاجتماعية والسياسية، بينما دعمت المؤسسات الثقافية إعادة بناء المجتمع بعد الصدمة، مشيرا إلى أن هذه الجهود جعلت الكويت نموذجا رائدا في تعزيز الثقافة العربية، ورافدا للمعرفة، وصناعة أفكار جديدة تربط بين الإرث الحضاري والإبداع المعاصر، وتؤكد دورها الحضاري والفكري في العالم العربي.