الأغلبية الصامتة : ما بعد الرأسمالية

نشر في 09-02-2026
آخر تحديث 08-02-2026 | 17:48
 إبراهيم المليفي مجدداً بعد نهاية الحرب الباردة، هيمنت الرأسمالية، كنظام اقتصادي على العالم، محققةً مستويات غير مسبوقة من الأرباح والاتساع والإنتاجية، وبعيداً عن الصراعات الأيديولوجية، برزت أصوات تتساءل عن إمكانية استمرار هذا النظام الرأسمالي، بل وتتحدث صراحةً عن «نهاية الرأسمالية» كما نعرفها، ويستند هذا الطرح إلى تحولات تشير إلى أزمة هيكلية ومستقبل غير مبشر، فلماذا يطفو هذا السؤال الآن وبقوة؟ 
قبل أن نجيب، تجدر الإشارة إلى صدور مجموعة من الكتب تحذر وتنصح الرأسمالية بضرورة النجاح في تجديد نفسها من الجذور، أو مواجهة الانهيار لتصبح من مخلفات التاريخ، مثل كتاب «انهيار الرأسمالية» - أولريش فيشر 2010م، أو كتاب يحذر من التهديد الوجودي الذي تشكله الثورة الرقمية على الرأسمالية، وقدرتها على تشكيل مفاهيمنا عن العمل والإنتاج والقيمة تغييراً جذرياً، «ما بعد الرأسمالية... دليل لمستقبلنا» لمؤلفه بول ماسون 2015م، أما الكتاب الثالث فيتحدث عن صراع بين الأنظمة الرأسمالية نفسها، مستشرفاً رؤية جديدة حول نشوب صراع اقتصادي خفي بين الرأسمالية الأميركية والرأسمالية الألمانية واليابانية، «الرأسمالية ضد الرأسمالية» - ميشيل إلبير 1991م. 
نعود إلى أسباب السؤال عن مصير الرأسمالية، حيث ساهمت أزمات كبرى كالتي حدثت عام 2008م وجائحة كوفيد 2020م والتضخم الحاد منذ عام 2022م في كشف الاختلال البنيوي في نظام يعتمد على النمو اللانهائي في عالم محدود الموارد، ويُفضي إلى تفاقم الديون الهائلة والفقاعات المالية، وتزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء وعدم انعكاس النمو الاقتصادي على رفاهية المجتمع، وتواجه الرأسمالية القائمة على الاستخراج النهم والاستهلاك، نقداً حاداً لكونها المحرّك الأساسي للتغير المناخي واستنزاف الموارد، وتشير التقديرات إلى أن البشرية تستهلك الموارد بمعدل يفوق قدرة الأرض على التجدد بنحو 1.75 مرة! 
هذه التحديات تهدد الرأسمالية وتعزز الأصوات المطالبة باستبدالها بنماذج تضع قيم الاستدامة والإنصاف فوق الربح المطلق. لا يعني الحديث عن «نهاية الرأسمالية» بالضرورة انهياراً فوضوياً، ولكن توجد هناك مسارات أبرزها الإصلاح الجذري وإخضاع النظام لإصلاحات عميقة من خلال فرض ضرائب تصاعدية، وتحوّل سريع نحو الطاقة النظيفة وتحقيق شعار الرأسمالية الخضراء، ووضع ضوابط صارمة على الاحتكارات التكنولوجية والمالية، المسار الثاني يدعو للتحول التدريجي إلى نظام هجين يمزج بين آليات السوق، والتخطيط العام لأهداف كبرى مثل المناخ، وقطاعات تعاونية واسعة، تحت مظلة ديموقراطية قوية. 
إن المستقبل ليس حتمياً، والصراع الآن يدور بين محاولة الإبقاء على ما هو موجود، واستبداله بما يعزز الأولوية للاستدامة، وليس فقط تحقيق الربح، والغرض هنا ليس إنهاء الرأسمالية، بقدر ما هو ترشيد انحرافاتها ومخاطرها، خاصة على البيئة وموارد الكوكب، لأنه في حال فشل الإصلاحات قد يدخل العالم في دوامة من الفوضى تعزز صعود الأصوات الشمولية والمتطرفة التي تمكّن بعضها فعلياً من الوصول إلى مراكز اتخاذ القرار في معاقل الرأسمالية.
back to top