رياح وأوتاد: المشكلة ليست في «أوبر» وحدها
أستغرب من استياء أو اعتراض بعض المدونين على كلمة وزير الداخلية بشأن العمل في "أوبر"، التي قال فيها "مو غلط إن الكويتي يتعلم ويكون عنده مجال يشتغل في الصنعة هذه"، فلماذا هذا الاعتراض على مهنة شريفة ويعمل فيها المواطن بإرادته في العديد من دول العالم القوية والدول المجاورة، وكثير منهم يحمل شهادات عليا ووظائف كبيرة، لكنه يعمل في هذه المهنة، إضافة إلى عمله الأساسي لكي يحسّن من دخله، فما هو العيب في ذلك؟
أذكر أنه في بداية الثمانينيات، كنت مسؤولاً عن الصيدلية في بعثة الحج الكويتية الرسمية، وكان كل سائقي سيارات البعثة من الكويتيين، وكذلك سائقو سيارات الأجرة في المطار، كما أذكر أن حراس المدارس قبل سنوات قليلة كانوا أيضاً من الكويتيين.
وهذه الاعتراضات ذكرتني باعتراضات مشابهة، عندما كنت وزيراً للبلدية وأعلنت الحاجة إلى سواقين لسيارات نقل الموتى وحفارين للقبور، حيث اعترض مَن اعترض وسخر مَن سخر، لكن في النهاية تقدّم لهاتين الوظيفتين مواطنون وتم تعيينهم.
ليست المشكلة أن يقبل المواطن بالعمل في "أوبر" أو لا يقبل، لأنها في النهاية رغبة وقناعة شخصية، لكن المؤسف أن يتم ازدراء ورفض كثير من الوظائف المشابهة، رغم أنها وظائف شريفة وضرورية لأي مجتمع.
هذا الازدراء انعكس على أعمال أخرى وفي أماكن كثيرة، فلا تكاد تجد كويتياً يقف في محله بالمولات ويتعامل مع الزبائن، ولا تكاد تجد كويتياً في المناطق الحرفية والصناعية والكراجات والمطاعم، وإذا لم يُقبل الكويتي على هذه الوظائف فستكون من نصيب العمالة الوافدة، وبعدها تتم الشكوى من اختلال التركيبة السكانية.
إن ازدراء المهن البسيطة ورفضها، رغم أهميتها، مخالف للدين الحنيف، فقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله من نبي إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (البخاري).
وكان أهل الكويت يعملون في مختلف المهن قبل النفط، وحملت أسماء كثير من الأسر المعروفة أسماء المهن التي كانوا يمتهنونها.
إن المشكلة الأكبر ليست في العمل بشركة أوبر، بل تكمن في الاعتقاد الخاطئ بأن العمل في القطاع الخاص سيكون فقط في الأعمال البسيطة وغير المقبولة اجتماعياً، ولذلك فإن واجب الحكومة إصلاح الاختلالات في الاقتصاد الكلي، بحيث يتم تقليص الاعتماد على دخل النفط الأحادي الناضب، ويكون العمل المهم والمنتج في القطاع الخاص الكبير والمتنوع والشامل لكل الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية، بحيث يخلق جميع الوظائف الكبيرة والمتوسطة والبسيطة، فيكون هو من أهم روافد المالية العامة، وعندها سيكون العمل الخاص مشرّفاً ورواتبه مجزية، ويكون فيه العنصر الكويتي الفاعل هو المحرك الأساسي لجميع جوانب الاقتصاد.