على رؤوسنا جرار
تشكو «الإيكونوميست» تراجُع حال الصحافة حتى في الدول المتقدمة، مشيرةً إلى أن الثقة بوسائل الإعلام الإخبارية انحسرت في العالم الغني، وأن حرية الصحافة تشهد تدهوراً ملحوظاً.
فمنذ عام 2014، وبحسب مؤشر منظمة مراسلون بلا حدود - وهي جهة رقابية مستقلة - انتقل مستوى حرية الصحافة من السيئ إلى الأسوأ في عدد متزايد من البلدان.
وتُضرب صربيا مثالاً صارخاً، حيث يتعرّض صحافيون يغطّون احتجاجات على الفساد لاعتداءات من الشرطة.
وتستند الصحيفة إلى تحليل بيانات شملت 180 دولة عبر ثمانية عقود لتخلُص إلى نتيجة واضحة: الساسة الراغبون في نهب المال العام لديهم حوافز قوية لإسكات الإعلام، وكلما اشتدّ خنق الصحافة ارتفع منسوب الفساد.
ومن أكثر الاتجاهات إثارة للقلق - بحسب «الإيكونوميست» - أن حكومات تُعرِّف نفسها بوصفها ديموقراطية باتت تتبنى أدوات استبدادية مستوحاة من أنظمة سلطوية، فهي لا تسعى إلى إسكات كاشفي الحقائق بالكامل، بل إلى بناء منظومة إعلامية لا يسمع فيها الناخبون سوى المديح للحزب الحاكم، ولا يصلهم من أصوات المعارضة إلا النزر اليسير.
ولا تنكر الصحيفة أن تكنولوجيا المعلومات، ووسائل التواصل الاجتماعي خصوصاً، أتاحت مساحات تعبير لم تكن متاحة في الصحافة التقليدية، فكل مَن يحمل هاتفاً قادراً على التصوير يمكنه توثيق اعتداء شرطي على متظاهر وبثّه فوراً.
غير أن الأنظمة التسلطية ما زالت تملك أدوات مضادة، في مقدمتها قطع الإنترنت عندما يتصاعد غضب الشارع.
وإذا كانت هذه هي حال الصحافة في دول غنية ومتقدمة، فماذا يمكن القول عن دول نامية ترزح تحت وطأة الاستبداد؟ هنا يصبح الصمت أبلغ من الكلام.
ومع ذلك، يشيع لدى بعض الرافضين للانتقادات الموجهة إلى الممارسات الغربية والأميركية - عندما يُثار موضوع حرية الصحافة والتعبير - القولُ إن القمع موجود هناك أيضاً، مستشهدين بما جرى ويجري بعد مذابح غزة.
غير أن هذا الرأي، في ذروة حماسته للقضية العربية، يتغافل عن فوارق جوهرية بين واقع الحريات في مجتمعاتنا وواقعها في العالم الغربي.
فهناك لا تزال «المؤسسات» القانونية قائمة، وتحمي - على الأقل - حداً أدنى من الحقوق والحريات الإنسانية.
ومهما خضع الإعلام هناك لضغوط اللوبيات النافذة وسلطان الأوليغارشية، فإن المقارنة مع الحال العربية، بكل ظروفها، تبدو في غير موضعها.
وفي الخلاصة، لنا أن ندين الإعلام الغربي ومظاهر الخلل في حرياته، لكن قبل ذلك يجدُر بنا أن نتحسس الجرار التي تعلو رؤوسنا.