متى يأتيك اليقين؟ (2)

نشر في 08-02-2026
آخر تحديث 07-02-2026 | 19:28
 حسين عبدالله

(2) المدينة... المرحلة الثانية: لم يكن الانتقال إلى المدينة انسحاباً، بل استكمال لما بدأ في مكة. دخلتُ القطار وكنتُ صامتاً والذهن ساكناً، شيءٌ ما انقضى، وآخر لم يتّضح بعد.

وصلت أثناء الغروب لا دهشة ولا اندفاع، فقط شعور هادئ بأن الوتيرة بدأت تهدأ.

في أول دخول للحرم انخلع شيء ما، لم أره، لكن شعرت بغيابه من جهة الصدر، ومن عمقٍ لا تدركه الكلمات... لم يكن سروراً، ولا نشوة، بل فرجاً.

ففي المدينة، لم يكن السكون مفاجئاً، بل بالتدرّج، شيئاً فشيئاً. فما تبقّى من قلق وتوتر لم يعد حاضراً كما كان، والأسئلة المعتادة: متى؟ وكيف؟

سكنت في الصمت، فلم أعد أستعجل الإجابة، ولا أراقب النتيجة. أترك الأمر، فتستقيم الخطوة لوحدها. هنا، سقط السؤال عن اليقين.

واكتفيت بحضورٍ مع ربّي حمداً وشكراً.

(3) قباء... ما بين المحطات: في تلك الليلة خرجت إلى مسجد قباء، لم يكن في النية ترتيب، ولا سعي لفضيلة محفوظة، ولا فكرة واضحة عما سيأتي بعد. بل امتداد لذلك السكون، الذي بدأ يتكون في الداخل.

كانت ليلة جمعة، وهذا وحده كان كافياً لأن أترك الأمر كما هو.

دخلت المسجد، قمت الليل بلا تصوّرٍ مسبق، ثم الشفع والوتر، وتلاوة من كتاب الله، وحين خرجت من قباء، لم أخرج كما كنت.

وقفت قليلاً، ثم انطلقت بالسير، مضيت على الطريق ذاته.

الذي كان يسلكه النبي ﷺ من قباء إلى المسجد النبوي.

في البداية، عاد القلق، ليس خوفاً، بل استعجال وقلق.

هل سأصل قبل الصلاة، ثم أخذني التسبيح، فاستقرت الخطوة، لا عن قرار، ولا عن محاولة تهدئة، بل من غير استدعاء.

كنت أردد ما ينساب دون ترتيب... الحمد لله، والشكر لله، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم الصلاة على النبي ﷺ.

لم يكن في الذكر تعلّق بالعدد، ولا طلب محدد، ولا استعجال للوصول، وكأن الخطوات تُساق لا تُقاس، ومع كل تسبيحة، خف القلق واتسع القلب.

لا لأن الطريق قصر، بل لأن اليقين قد حضر.

عندها، دخلت حالة لا تُوصَف بالكلمات. لم تكن فكرة، ولا شعوراً يمكن شرحه، ولا معنى يُفكَّك، بل حضوراً كاملاً، يكفيني أنني عشته.

وصلت، ولدي وقت، رتلت كتاب الله، وصليت صلاة أخرى قبل الأذان، وكل ما كان في داخلي، لم يكن سوى شكر وامتنان.

شكرٌ على تدبير لم أطلبه، وامتنان لأنني وُضِعت فيه كما كان مقدراً... ومن تلك اللحظة بدأ انعطاف صامت، انشغلت بالدعاء لغيري أكثر مما دعوت لنفسي. كأن النفس لم تعد في الواجهة، واتّسع الدعاء ليتجاوزها.

وهنا أدركت أن تلك الدعوات لا تُغيّر ما نطلب، بل تُهذّب قلوبنا في لحظة الطلب.

back to top