حين سقط الأصدقاء بلا معركة
مؤسفٌ حقاً أن يصل الإنسان إلى لحظة يراجع فيها ذاكرته مع بعض الأصدقاء، لا ليستعيد دفئها، بل ليفهم كيف انكسرت. أصدقاء كنت تعتقد أنك تعرفهم جيداً، لا لأنك عرفت أسماءهم فقط، بل لأنك شاركتهم المواقف، وتقاسمت معهم القلق والحلم، وصدَّقت أن ما يجمعكم أعمق من ظرفٍ عابر أو مصلحة مؤقتة. ثم جاءت لحظة الامتحان، لحظة المنصب، فانكشف ما كان مخفياً، وسقط ما كان يُظن ثابتاً. ضعفوا أمام الكراسي، وغرَّتهم الألقاب، وأغرتهم تلك المكانة الزائفة التي تمنح صاحبها شعوراً عابراً بالعظمة، ولو كان على حساب كل ما آمن به يوماً. لم يكن السقوط مفاجئاً بحد ذاته، بل كانت سرعته هي الصدمة. كأن المبادئ كانت عبئاً ينتظرون أول فرصة للتخلص منه، وكأن القناعات لم تكن سوى عبارات محفوظة تُقال عند الحاجة، ثم تُنسى حين تتغيَّر الموازين.
المناصب لا تغيِّر الناس، كما يُشاع، بل تكشفهم. هي اختبار أخلاقي قبل أن تكون موقعاً إدارياً أو سياسياً. مَنْ كان صادقاً مع نفسه ازدادت مسؤوليته، ومَنْ كان هشاً تعرَّى سريعاً. المشكلة ليست في أن يُخطئ الإنسان، بل في أن يُعيد تعريف الخطأ ليبرر بقاءه، وأن يلبس التنازل ثوب الحكمة، والخضوع قناع الواقعية، والصمت عن الظلم لغة العقل.
الأكثر إيلاماً أن بعضهم لا يكتفي بالتراجع الفردي، بل يسعى إلى تطبيع السقوط، وإقناع مَنْ حوله بأن هذا هو الطريق الوحيد، وأن مَنْ يتمسَّك بموقفه شخص ساذج أو حالم أو غير قادر على «فهم المرحلة». وهكذا يتحوَّل الانحراف من حالةٍ فردية إلى مزاجٍ عام، ومن ضعفٍ شخصي إلى خطابٍ يُسوّق ويُبرر. تعلَّقوا بالزائل العابر: بمنصبٍ لن يدوم، وبلقبٍ سينتقل إلى غيرهم، وبقربٍ من الحكومة لا يحمي صاحبه حين تتغيَّر الظروف. وفي المقابل، تخلَّوا عن الباقي الخالد: عن الموقف الذي يبقى، وعن الكلمة التي تُحترم، وعن الثقة التي لا تُشترى. نسوا أن التاريخ لا يسأل مَنْ جلس على الكرسي، بل يسأل ماذا فعل وهو عليه، وماذا بقي منه حين غادره.
في النهاية، يسقط المنصب، ويبقى الإنسان. تبقى سيرته، وأثره، وكيف يذكره الناس حين يغيب اسمه عن المشهد. فإما أن يُذكر كمَنْ باع نفسه للمرحلة، أو كمَنْ حافظ على نفسه في زمن التنازلات. وبين هذا وذاك، تُقاس القيمة الحقيقية للإنسان، لا بما وصل إليه، بل بما لم يتنازل عنه.