بالمختصر: الجرائم تتغيَّر أدواتها... لكن «أصل النموذج» يبقى

نشر في 08-02-2026
آخر تحديث 07-02-2026 | 19:26
 د. فهد إبراهيم الدوسري

لم تُولد جرائم إبستين من فراغ، ولا ظهرت الشبكات الحديثة لاستغلال البشر بلا جذور. فهناك ظلّ أميركي عميق يمتد من مزارع العبيد في الجنوب إلى عيادات التلقيح الصناعي في إنديانا، ومن المزادات العلنية إلى غرف الفحص البيضاء، ومن الاستغلال الاقتصادي إلى الاستغلال الجسدي والنَّسَبي. 

في مزارع العبودية كان الجسد سلعة، والمرأة المُستعبدة ملكاً، والطفل الناتج «زيادة في رأس المال». رجلٌ قوي، نفوذٌ يحميه، وأسوارٌ تخفي فعله. مرَّت القرون... تغيَّر المشهد، لكن النموذج لم يتغيَّر: هيمنة – جسد – صمت – شبكة. ثم جاءت قصة جيفري إبستين لتُعيد النموذج بوضوحٍ صادم: رجل نافذ، شبكة تُسهِّل، طائرات خاصة، جزيرة معزولة، واستهداف للفتيات الضعيفات. هي ذاتها بنية المزرعة القديمة، لكن بأزياء الطائرات الخاصة وجوازات السفر الدبلوماسية. 

ولأن الجريمة لا تتوقف عند حدود الجنس فقط، ظهرت فضيحة د. دونالد كلاين في فيلم Our Father. طبيبٌ كان يفترض أن يكون رمزاً للثقة، يستخدم حقن التلقيح ليزرع بصمته الجينية في أجساد مريضاته من دون علمهن، فينتج عشرات الأبناء- ليس حُباً، ولا طباً، ولا رحمة، بل رغبة في إعادة إنتاج ذاته. تماماً كما فعل مُلاك المزارع قديماً حين كانوا يفرضون نسلهم على المستعبدات. 

الضحية في المزرعة لم تكن تعرف، والضحية في العيادة لم تكن تعرف، ولم تتغيَّر النهاية: هيمنة الرجل القوي على جسد امرأة ضعيفة، مع شبكة صامتة وراءه، من موظفين، ونظام، وقانون لا يرى، ومجتمع لا يسأل. 

وهكذا يُصبح إبستين، وكلاين، وشبكات استغلال الأطفال الحديثة، مجرَّد وجوهٍ جديدة لنفس النموذج القديم: نموذج يرى الإنسان جسداً قابلاً للاستعمال، والتلاعب، والتوريث، ثم الإخفاء خلف سُلطة أو شهرة أو مهنة محترمة. 

إن أدوات الجريمة تغيَّرت: من المزرعة إلى الجزيرة إلى غرفة طبية بيضاء، لكن منطق السيطرة لم يتغيَّر: قوة بلا رقابة، وشهوة بلا ضمير، وصمت يشارك في الجريمة من دون أن يتكلم. لهذا، كل قضية تنفجر اليوم- من إبستين إلى الشبكة الأسترالية- لا تُقرأ وحدها، بل تُستدعى معها الذاكرة الطويلة للاستغلال الأميركي عبر تاريخه... وكأن التاريخ يكرِّر النموذج نفسه، فقط بلغة وصورة أخرى.

back to top