«المثقف»... عندما يختار الأسوأ! (2-3)
في كتابه المعروف «المثقفون العرب والغرب»، المطبوع في لبنان عام 1978، يقول هشام شرابي إن الطاقة الفكرية والعلمية متوافرة بكثرة في عالمنا العربي المعاصر، لكنها لا تعبأ ولا تستخدم إلا بنسبة صغيرة وبطريقة عفوية. إن حياة المثقف صاحب الاختصاص عندنا هي حياة مهدورة وتدور في فراغ، إذ إن انهماك ذوي الفكر والاختصاص لا يتركز في الدرجة الأولى على أهداف اجتماعية يغني بها المجتمع، بل تنصبّ في السعي وراء الرزق والمصلحة الفردية. ويرى سليم الحص كذلك أن المثقف العربي بعد مسلسل المحن التي مرت بالعالم العربي أصبح إلى حد بعيد يعيش مشاكله اليومية ولا يعيش قضية. (الانتلجنسيا العربية، 166).
ويقول د. عاطف العضيبات إن المثقف المغترب، وهو حال الكثير من مثقفي العالم العربي، يشعر بعجزه وعدم انتمائه، وهو مثقف مشلول الإرادة. وشعور أغلبية المثقفين العرب الطاغي اليوم، يضيف «أن الأمور تسير خارج إرادتهم وأنه لا حول لهم ولا قوة في تقرير مصير المجتمع». (نفس المرجع ص 166).
غير أن بعض المثقفين العرب لا يتسامح مع مثل هذه الحالات على الإطلاق!
ويرى د. الطاهر لبيب مثلاً «أن المثقف العربي كثيراً ما يقدم نفسه على أنه ضحية السلطة، ولكنه قلما يتنازل عما تمنحه السلطة من امتيازات». علاوة على ذلك، يرى د. لبيب «أن تجارب صعود المثقفين إلى السلطة تثبت أنهم يتنكرون للمبادئ التي دافعوا عنها وسيتعلمون وسائل السلطة التي طالما نددوا بها».
إن المثقفين لا يعيشون حالة العزلة والاغتراب دائماً باختيارهم. وحتى عندما تؤدي حالة الاغتراب بالمثقف «إلى الانسلاخ والانهزامية» لا يتعاطف معه الكثيرون، وهناك مثل د. عبدالكريم غلاب من يتهم المثقفين العرب بأنهم «لا يزالون يضعون أرجلهم خارج الركاب، ولا يزالون يعتبرون أنفسهم غير مسؤولين عن تغيير الأوضاع في بلادهم»، وذلك لاعتبارات مختلفة: بعضهم يعتبر المعركة سياسية وهو كمثقف ينبغي أن يبعد نفسه عن السياسة.
بعضهم يعتبرها معركة الباحثين عن الخبز وهو قد ضمن خبزه، وغير مكلف بأن يتعب نفسه في البحث عن خبز الآخرين!
بعضهم يعتبرها معركة ميؤوساً من نتيجتها ولا فائدة ترجى منها!
(عن د. الغلاب في الثقافة والفكر في مواجهة التحدي، الدار البيضاء 1968، الانتلجنسيا العربية، ص167 -168).
للعاملين في مجال الفكر والإعلام والفن في كل الدول والأنظمة دور بارز ومؤثر في تطوير المجتمع وتوليد وتجديد الأنظمة سياسياً واجتماعياً. ورغم ذلك فإن من التهم الموجهة للمثقفين أنهم هم «الذين يقولون ولا يفعلون، أو يفعلون ما لا يقولون، ويقولون ما لا يفعلون».