وثائق جيفري إبستين
جيفري إبستين من الشخصيات المثيرة للجدل، وُلد لأسرة يهودية فقيرة متواضعة، لم يُكمل تعليمه الجامعي، ومع ذلك أصبح مدرساً، ثم عمل موظف بنك في مجال التمويل الاستثماري ومحصِّل ديون. وبعد ذلك أسَّس شركة خاصة لإدارة الأموال، متخصصة في إدارة ثروات الأفراد الذين تتجاوز ثرواتهم مليار دولار، ليفوز بعدها بثقة الملياردير ليزلي ويكسنر (مؤسس علامة فيكتوريا سيكريت)، من خلال منحه تفويضاً كاملاً لإدارة شؤونه المالية.
كل ذلك مبرَّر، لكن ما لا مبرر له هو انضمام جيفري ذي الخلفية التعليمية والاجتماعية المتواضعة للجنة الثلاثية ومجلس العلاقات الخارجية، باعتبارهما من أبرز منظمات «خلق السياسات» أو «النقاش العالمي» غير الحكومية، والتي من المفترض قصر عضويتها على النُّخب الاقتصادية والفكرية والسياسية من رؤساء دول ووزراء سابقين، ومحافظي بنوك مركزية، وكبار التنفيذيين في الشركات العالمية متعددة الجنسيات، ووزراء الخارجية، ومديري وكالة المخابرات المركزية، ومصرفيين مركزيين، وقادة الفكر في وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية.
وفضلاً عمَّا يتمتع به جيفري من صفات شخصية مميزة وحضور قوي، فإن انضمامه لنادي الكبار مكَّنه من بناء شبكةٍ واسعة من العلاقات في الأوساط السياسية والاقتصادية. وبما أنه ذكي، فقد عرف من أين تُؤكل الكتف، وعرف نقاط ضعف وقوة وميول كل مَنْ لبَّى دعوته لجزيرة المجون، لذلك كانت حفلات الجزيرة تختلف عن بقية الحفلات الاجتماعية، حيث تتم فيها ممارسة الفسوق والشذوذ والطقوس الشيطانية مع فتيات صغيرات بعضهن أطفال.
على ضوء ذلك، وفي أبريل 2005، فتحت شرطة فلوريدا تحقيقاً، بعد بلاغ من والدين عن تحرش إبستين بابنتهما البالغة 14 عاماً، وفي 30 يونيو 2008 أقرَّ بالذنب في تهمة «استدراج قاصر لممارسة الدعارة»، وحُكم عليه بـ 13 شهراً في السجن (مع السماح له بالخروج للعمل)، كجزء من صفقة قضائية!
أما التهمة الثانية، فكانت في السادس من يوليو 2019، حيث أُلقي القبض عليه مجدداً بتهم اتحادية هذه المرة تتعلَّق بالاتجار الجنسي بالقاصرين في فلوريدا ونيويورك، والتي انتحر بسببها، مُخلفاً وراءه ملايين الوثائق السرية التي حجب الكثير من تفاصيلها رغم نشرها.
اللافت أن تلك الوثائق مازالت مبهمة، ولم يتم فتحها أو التحقيق فيها بالمحاكم، ليظل التساؤل حول نفوذ الأثرياء والنافذين في طمس الحقائق. وبين هذا وذاك تنتشر نظريات المؤامرة المرتبطة بأجهزة استخبارات و»الموساد» الإسرائيلي، وبين شذوذ مَنْ دخل في صومعة الجزيرة.
الحقيقة: ورود بعض الأسماء في الوثائق المسرَّبة لا يعني ضلوعهم في الرذيلة، حيث من الطبيعي وجود بعض الأسماء بحُكم طبيعة عملهم ووجودهم ضمن اللجنة الثلاثية ومجلس العلاقات الخارجية، لكن حتماً مَنْ دخل فخ الجزيرة لن يخرج منها إلا بفضيحة، ومَنْ لم ينتحر فسيُجن، إلا إذا سلَّمنا بنظرية الابتزاز الصهيونية، وأن عدالة البشر تظل نسبية في عالم الكبار.
ودمتم سالمين