الجريدة. تكشف كواليس «اجتماع مسقط» بين عراقجي وويتكوف

نشر في 08-02-2026
آخر تحديث 07-02-2026 | 21:41
طائرتان على متن «أبراهام لينكولن» لدى وصولها إلى بحر العرب أمس الأول (رويترز)
طائرتان على متن «أبراهام لينكولن» لدى وصولها إلى بحر العرب أمس الأول (رويترز)

حرصت الولايات المتحدة وإيران على وصف محادثات مسقط التي عُقدت أمس الأول بالإيجابية، لكن أجواء التفاؤل الحذر لم تُخفِ أن الطرفين ما زالا يتفاوضان وأصابعهما على الزناد، في ظل استراتيجية «السلام عبر القوة» التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تواجه اختباراً صعباً في واحدة من أعقد أزمات الشرق الأوسط.
وأكد مصدر رافق الوفد الإيراني المفاوض في اجتماع مسقط، لـ «الجريدة»، أن اللقاء في العاصمة العُمانية خُصص لعرض مواقف الطرفين من البرنامج النووي الإيراني وسائر الملفات الخلافية، في إطار جسّ النبض وقياس فرص إعادة إطلاق المسار التفاوضي.
وتتمحور المفاوضات حول ثلاثة ملفات رئيسية؛ الأول هو البرنامج النووي الإيراني وآلية ضمان بقائه سلمياً، إضافة إلى مصير نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق 60 في المئة، في ظل سياسة الغموض التي تعتمدها طهران منذ استهداف منشآتها النووية في يونيو الماضي.



أما الملف الثاني، فيتعلق ببرنامج الصواريخ البالستية، الذي يمثل ركيزة القوة العسكرية لإيران، إذ تعتبره واشنطن تهديداً لأمن المنطقة وإسرائيل، خصوصاً مع مخاوف من نقل تقنياته إلى حلفاء طهران في المنطقة وإمكان تهيئته لحمل رؤوس نووية. 
ويرتبط الملف الثالث بنفوذ الجماعات المسلحة الموالية لإيران، ولا سيما في لبنان والعراق، حيث تسعى حكومتا البلدين إلى دمج هذه القوى ضمن المؤسسات العسكرية الرسمية وحصر السلاح بيد الدولة.
وأوضح المصدر لـ «الجريدة» أنّ رئيس الوفد الإيراني المفاوض وزير الخارجية عباس عراقجي جدّد خلال اجتماع مسقط رفض وقف تخصيب اليورانيوم داخل إيران، مقترحاً بدلاً من ذلك إشراك الولايات المتحدة في كونسورتيوم إقليمي للتخصيب يُقام على الأراضي الإيرانية ويضم دولاً إقليمية وشركات أميركية، باعتباره آلية عملية للتحقق من الطابع السلمي للبرنامج النووي. 
وأضاف أن طهران مستعدة لوضع منشآت التخصيب التابعة لها بتصرف هذا الكيان لتعزيز الشفافية وتبديد المخاوف الأميركية.
ونفى أن تكون إيران قد عرضت تعليقاً مؤقتاً للتخصيب، موضحاً أن فكرة التجميد لثلاث سنوات مقابل رفع تدريجي للعقوبات طُرحت من بعض الوسطاء، في وقت أبدت طهران استعداداً فقط لخفض نسبة وحجم التخصيب من دون وقف البرنامج كلياً.
ولم يكشف المصدر عن النقاشات المتعلقة بنحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، في حين أعلن عراقجي، خلال مشاركته في منتدى نظمته قناة «الجزيرة»، أمس، رفض نقل هذه الكمية إلى خارج إيران، وسط تصريحات إيرانية متضاربة بهذا الشأن، في حين تقول موسكو حليف طهران الأوثق، إن نقلها إلى روسيا ما زال اقتراحاً مطروحاً.
وشدد على أنّ عراقجي أكد أنّ أي اتفاق محتمل يجب أن يتضمن رفعاً كاملاً للعقوبات المفروضة على إيران، إلى جانب ضمانات ملزمة تحول دون تراجع الولايات المتحدة عن التزاماتها.
وقال المصدر إنّ المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف، رئيس الوفد الأميركي، الذي ضم جاريد كوشنير صهر ترامب وقائد القيادة الاميركية الوسطى الجنرال براد كوبر، شدد على ضرورة أن تعلق طهران برنامجها النووي بشكل كامل، بما يتيح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبالتعاون مع مفتشين أميركيين، إجراء عملية تدقيق وجردة شاملة لجميع الأنشطة والمنشآت النووية في مختلف أنحاء إيران. وبعد استكمال هذه العملية، يمكن، وفق الطرح الأميركي، التوصل إلى صيغة تتيح لإيران امتلاك برنامج نووي سلمي.
ورغم التباين في المواقف حول التخصيب، قال المصدر إن إيران يمكن أن توافق على وقف التخصيب دون إعلان ذلك، لاسيما أن عمليات التخصيب شبه متوقفة منذ يونيو.
وأضاف أنه فيما يخص الملف الثاني والثالث أي البرنامج البالستي الإيراني وملف الميليشيات الموالية لإيران، فإن ويتكوف أشار إلى أنّ استمرار إيران فيما وصفه بـ«العداء لإسرائيل»، ومواصلتها تصنيع صواريخ تعتبرها واشنطن مزعزعة للأمن في المنطقة، إلى جانب دعم مجموعات مسلحة مناهضة لإسرائيل، يجعل من الصعب التوصل إلى تفاهم يرسي السلام في المنطقة. 
وشدد على أنّ ما تريده الولايات المتحدة هو إرساء الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ما يستوجب، وفق الطرح الأميركي، قبول إيران التفاوض على ملفات تضمن أمن إسرائيل بما في ذلك تقييد برنامجها الصاروخي والمساهمة في نزع سلاح الميليشيات الاقليمية، مؤكداً أنّ أمن إسرائيل يشكل أولوية في السياسة الأميركية في المنطقة.
وذكر أن عراقجي قال إنّ هذه المطالب يمكن بحثها في حال التوصل إلى أي حل للقضية الفلسطينية يقبل به الفلسطينيون، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي، بما في ذلك الأراضي اللبنانية، معتبراً في الوقت نفسه أنّه لا يمكن توقع أن تقدم إيران على خفض قدراتها العسكرية في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية.
 وأضاف المصدر أنّ عراقجي شدد لويتكوف على أنّ إيران لم تبادر في السابق ولن تبادر مستقبلاً إلى مهاجمة أي طرف، في اقتراح يتضمن ضمانات ايرانية لعدم استخدام صواريخها إلا في حالة دفاعية.
 وفي منتدى «الجزيرة»، شدد عراقجي، أمس، على أن البرنامج البالستي دفاعي ولا يمكن التفاوض عليه حالياً أو مستقبلاً.

وفي تفاصيل الخبر: 
غداة أول لقاء دبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران منذ انهيار المفاوضات بينهما عقب اندلاع حرب الـ 12 يوماً التي شنتها إسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية في يونيو الماضي، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إيران مستعدة لقبول أكثر مما كانت تقبل به قبل عام، مشدداً على أن نتائج المحادثات التي استؤنفت في مسقط بين مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف ومستشاره جاريد كوشنر مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ستفاجئ الكثيرين.

وقال ترامب، في تصريح على متن الطّائرة الرّئاسيّة «إير فورس وان» خلال توجّهه إلى مارالاغو في فلوريدا، ليل السبت، إن واشنطن لن تقبل بحصول إيران على أسلحة نووية، مضيفاً أنه «يمكننا الوصول إلى اتفاق مع طهران ولسنا مستعجلين. إذا تتذكرون في فنزويلا فقد انتظرنا فترة قبل العمل العسكري».

وتابع: «أجرينا محادثات جيدة جداً بشأن إيران ويبدو أنها ترغب بشدة في إبرام اتفاق وسنجتمع معهم في وقت مبكر من الأسبوع المقبل».

وجدد ترامب تهديداته قائلاً: «الإيرانيون يعرفون الثمن الفادح لعدم التوصل إلى اتفاق»، مشيراً إلى أن «لدينا أسطولا بحريا ضخما يتجه نحو الشرق الأوسط وسيصل هناك قريباً وسنرى كيف ستسير الأمور».

عقوبات واستعراض

وفي موازاة ترحيبه بتقدم الدبلوماسية وتلويحه بالخيار العسكري وإرساله قائد القيادة الوسطى «سنتكوم» براد كوبر ضمن فريق التفاوض في مسقط، أعلن ​البيت الأبيض​ أنّ «ترامب​ وقّع أمراً تنفيذيّاً لمواجهة النّظام الإيراني، يُرسي آليّةً لفرض رسوم جمركيّة، تصل إلى 25%، على الدّول الّتي تستمر في شراء السّلع أو الخدمات من طهران». وأعلنت وزارة ​الخارجية الأميركية، فرض عقوبات على 15 كياناً و14 ⁠سفينة ‌من ​أسطول الظل لارتباطها بالتجارة غير ⁠المشروعة ‌في ⁠نفط ⁠ومنتجات نفطية وبتروكيماوية إيرانية المنشأ.

كما أفادت القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم) بأن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» أبحرت، أمس الأول، في بحر العرب، برفقة سفينتي إمداد عسكريتين وقطعتين تابعتين لخفر السواحل بالتزامن مع تحليق طائرات من الجناح الجوي لحاملة الطائرات ضمن استعراض للجاهزية العملياتية، مضيفة «السلام من خلال القوة».

الكويت ودول إقليمية ترحب بالجولة الأولى

استعداد للطمأنة

على الجهة المقابلة، ذكر وزير الخارجية الإيراني أنه تم الاتفاق مع واشنطن لعقد الجولة المقبلة من المحادثات في وقت قريب، لكنه أشار إلى أنه ‌لم ⁠يتم بعد ​تحديد ‌موعد للجولة التالية من المحادثات التي تصر بلده على حصرها بالملف النووي في وقت تتمسك واشنطن بضرورة أن يشمل أي اتفاق قضية التسلح الباليستي ودعم الجماعات والمليشيات الإقليمية والتعامل مع المتظاهرين ضد النظام.

وقال عراقجي، في تصريحات خلال وجوده في الدوحة، إن ⁠طهران مستعدة للتوصل لاتفاق مطمْئِن مع واشنطن حول تخصيب اليورانيوم، غير أنه أكد أن برنامج إيران الصاروخي «غير قابل للتفاوض»، مضيفاً «هذا موضوع دفاعي بحت بالنسبة لنا، لا يمكن التفاوض بشأنه ليس الآن ولا في المستقبل».

وبعد تقارير أميركية عن انعقاد المباحثات وجها لوجه بين الوفدين بعيداً عن عدسات الكاميرات، أشار عراقجي إلى أنه «رغم أن المفاوضات كانت غير مباشرة، فقد سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي».

وفي وقت أكد أن المفاوضات تتم وسط استمرار مخاطر اندلاع الحرب، ولفت عراقجي إلى أن بلده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا هاجمت واشنطن الأراضي الإيرانية. وقال: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية إذا هاجمتنا واشنطن، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة وبالطبع نحن نفصل بين تلك القواعد والدول التي تستضيفها».

ضغط وحصانة

وفي حين تضغط الولايات المتحدة لتقييد مدى صواريخ إيران وإمكانية حملها لرؤوس نووية باعتبارها تهديداً لوجود إسرائيل، رأى عراقجي أنه «لا يمكن فرض السلام والاستقرار على المنطقة عبر لاعب واحد»، مشدداً على أن «الحصانة والإفلات من العقاب اللذين منحا لإسرائيل» أخلا بالنظام القضائي الدولي.

وحذر من أن الإبادة في غزة والانتهاكات في الضفة الغربية تؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

وفي وقت سابق، وصف عراقجي جولة المفاوضات التي جاءت بعد نحو 7 أشهر من قصف الولايات المتحدة لمنشآت نووية إيرانية بختام حرب الـ 12 يوماً، بأنها كانت «بداية جيدة وخطوة أولى»، إلا أن الطريق ما يزال طويلاً من أجل بناء الثقة بين طهران وواشنطن.

وتابع: «واشنطن عادت إلى طاولة المفاوضات بعد أن كانت قد لجأت سابقاً إلى الهجمات العسكرية، وهو ما يعكس فشل خيارات الضغط».

مجالات محتملة 

وفي حين لم تحقق جولة المفاوضات اختراقاً معلناً باتجاه معالجة الخلافات الرئيسية بين طهران وواشنطن، كشف وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أن المحادثات التي توسط بها بين عراقجي وويتكوف ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

وكان مصدر مطلع قد كشف لـ«الجريدة» أن عراقجي طرح مقاربة تقوم على إشراك أميركا في كونسورتيوم إقليمي لتخصيب اليورانيوم داخل إيران، يضم الدول التي اضطلعت بدور الوساطة، إلى جانب شركات أميركية، معتبراً أنّ هذه الصيغة تشكل أفضل آلية عملية للتحقق من الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني.

في المقابل، اقترحت واشنطن أن يتم تجميد البرنامج النووي الإيراني بشكل شامل من أجل إجراء عملية جرد وتحقق دولية بمشاركة أميركية تمهد لاحقاً لمنح طهران الحق في الحصول على برنامج ذري سلمي.

وبينما ربط الوفد الأميركي احتمال نجاح التوصل إلى تسوية سلمية بقبول بحث ملفات تتعلق بأمن إسرائيل الإقليمي وفي مقدمتها التسلح الباليستي ودعم الجماعات المناهضة لها، شدد عراقجي على أن بحث تلك الأفكار مرهون بإنهاء احتلال الأراضي في فلسطين ولبنان.

ترحيب إقليمي

ومع توالي ردود فعل إقليمية تشيد بتقدم مسار الدبلوماسية بين طهران وواشنطن، أعربت وزارة الخارجية عن ترحيب الكويت بالمفاوضات التي تستضيفها سلطنة عُمان، بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية. 

وعبرت عن أملها أن تُفضي إلى اتفاقٍ شامل يُسهم بتحقيق مصالح الطرفين، والحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها. 

وأكدت دعم كل الجهود المقدرة والمحمودة التي تقودها سلطنة عُمان، مع عددٍ من الدول الشقيقة والصديقة، في الدفع قُدُماً نحو تيسير المفاوضات، وتعزيز فرص الحوار البناء الهادف لإرساء الاستقرار.

back to top