التحويل البنكي أمام القضاء الكويتي... وفاء بدَين أم إنشاء لالتزام جديد؟
في ظل الاعتماد المتزايد على المعاملات المصرفية والتحويلات البنكية في الحياة اليومية، برز العديد من الإشكالات القانونية المتعلقة بطبيعة هذه التحويلات، خاصة عند النزاع بين الأطراف حول ما إذا كان المبلغ المحوّل يُعد سداداً لدَين قائم، أم إنشاء لدَين جديد على سبيل القرض أو السلف.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في النظام القانوني الكويتي، لما له من أثر مباشر على الحقوق والالتزامات، وعلى مسار التقاضي أمام المحاكم، فمن حيث المبدأ، ينظر القانون الكويتي إلى التحويل البنكي باعتباره وسيلة من وسائل الوفاء بالالتزام، أي أداة لإبراء ذمّة المدين من الدَّين المستحق عليه.
وتستند المحاكم في هذا السياق إلى قرينة قانونية وعملية، مفادها أن انتقال المال من حساب إلى آخر، دون وجود دليل كتابي أو اتفاق صريح على أنه قرض أو سلف، يفسّر في الغالب على أنه وفاء بدَين قائم، لا إنشاء لالتزام جديد.
فالأصل في التعاملات المالية بين الأطراف، خاصة إذا كانت هناك علاقة سابقة أو التزام معلوم، هو السداد لا الإقراض، لأن القرض يُعدّ تصرفاً قانونياً مستقلاً يحتاج إلى دليل يثبت نيّة المُقرض في إنشاء دين جديد.
وتبرز هنا أهمية عبء الإثبات، حيث يقع على مَن يدعي أن التحويل البنكي كان على سبيل السلف أو القرض واجب إثبات ذلك بكل طرق الإثبات المقبولة قانوناً، سواء من خلال مستندات مكتوبة، أو مراسلات، أو اتفاقات صريحة تدل على نيّة الإقراض وشروطه ومدته.
أما مجرد إيصال التحويل أو كشف الحساب البنكي، فهو في ذاته دليل على انتقال المبلغ، لكنه لا يكفي وحده لإثبات طبيعة هذا الانتقال على أنه دين جديد.
ويحرص النظام القانوني الكويتي على تحقيق التوازن بين حماية الحقوق المالية للأفراد، ومنع إساءة استخدام التحويلات البنكية كوسيلة لادعاء ديون غير ثابتة، قد تُستغل في النزاعات الكيدية أو الابتزاز المالي، فاعتبار التحويل سدادًا، ما لم يثبت العكس، يرسّخ مبدأ الاستقرار في المعاملات، ويعزز الثقة بالنظام المصرفي كوسيلة آمنة لتنفيذ الالتزامات.
وفي هذا الإطار، يُنصح بتوثيق أي تحويل يُراد به القرض أو السلف بمستندات واضحة ومكتوبة، تحدد طبيعة المبلغ وأسباب تحويله وشروط استرداده، تفاديًا لأي خلاف مستقبلي قد يترتب عليه نزاع قضائي طويل ومكلف.
وتظل التحويلات البنكية أداة محورية في المعاملات الحديثة، لكنّ قيمتها القانونية لا تتوقف عند كونها إجراء مصرفيا فحسب، بل تمتد إلى كونها قرينة على الوفاء، ما لم يثبت خلاف ذلك بدليل قاطع، وهو ما يجسّد فلسفة القانون الكويتي في تغليب الاستقرار والوضوح في العلاقات المالية بين الأفراد.