استدامة... ما هي الاستدامة؟ ولماذا تأخرنا في طرح السؤال؟
في حياتنا اليومية، نمارس أفعالاً تبدو عادية جداً، نفتح صنبور الماء من دون تفكير، نترك الإضاءة تعمل لساعات، نرمي ما فَضُل من طعامنا أو أغراضنا، ونمضي. لا نشعر أن في الأمر مشكلة، فكل شيء متاح، وكل شيء يصل إلينا بسهولة. لكن خلف هذا الاعتياد، تتراكم أسئلة مؤجَّلة لا نُحب مواجهتها: من أين يأتي كل هذا؟ وكم يمكن أن يستمر؟ وهل ما نستهلكه اليوم سيبقى متاحاً غداً؟
نحن نعيش وكأن الموارد بلا نهاية، وكأن الأرض قادرة على التعويض مهما أخذنا منها. نتصرَّف بثقةٍ مفرطة، وكأن ما نراه حولنا هو الصورة الكاملة. لكن الحقيقة أن ما نستهلكه لا يُعاد بناؤه بالوتيرة نفسها، وما نُهدره لا يختفي، بل ينتقل إلى مكانٍ آخر، ويتحوَّل إلى عبء مؤجَّل سيظهر أثره لاحقاً.
هنا يظهر مفهوم «الاستدامة»، لا بوصفه مصطلحاً بيئياً معقداً، ولا شعاراً يُرفع، بل كإجابة بسيطة عن سؤال كبير: كيف نعيش اليوم من دون أن نؤذي الغد؟
الاستدامة، في جوهرها، ليست تقنية، بل طريقة تفكير. هي أن نلبِّي احتياجاتنا الحالية من دون أن نغلق الباب أمام مَنْ سيأتي بعدنا، وأن نعيش براحة من دون أن تكون هذه الراحة على حساب مستقبلٍ كامل.
كثيرون يربطون الاستدامة بالطاقة الشمسية أو المباني الخضراء، وهذه أدوات مهمة، لكنها ليست الأساس. الأساس هو الوعي. وعي بأن كل اختيار نأخذه، مهما بدا صغيراً، يترك أثراً. طريقة استهلاكنا للماء، قرار الشراء، كمية ما نهدره، كلها قرارات فردية، لكنها حين تتكرَّر، تتحوَّل إلى سلوكٍ جماعي يؤثر في كوكب كامل.
ومن الخطأ اختزال الاستدامة في بُعدها البيئي فقط. فهي تقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة: بيئي يحمي الموارد، واقتصادي يبني كفاءة واستمرارية، واجتماعي يضمن العدالة وكرامة الإنسان. غياب أي بُعد يُفقد الاستدامة معناها، لأن التوازن لا يصمد إذا اختل أحد أجزائه.
المشكلة أن الاستنزاف لا يصرخ، بل يتراكم بصمت، ثم يظهر على شكل أزمات. ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً، لأن التغيير يبدأ بالسلوك اليومي.
الاستدامة ليست مفهوماً نظرياً نناقشه من بعيد، ولا ترفاً نؤجله إلى وقتٍ أفضل. هي سؤال يومي صامت يُرافق اختياراتنا: كيف نعيش؟ وبأي ثمن؟ وما الذي سيبقى بعد أن نمضي؟ فإما أن نمرَّ خفيفين، ونترك أثراً يمكن احتماله، أو نثقل المكان ونغادر من دون أن نسأل عمَّا خلَّفناه وراءنا.