متى يأتيك اليقين؟ (2)
(2) المدينة... المرحلة الثانية
لم يكن الانتقال إلى المدينة انسحاباً، بل استكمالاً لما بدأ في مكة. دخلتُ القطار وكنتُ صامتاً والذهن ساكن، شيءٌ ما انقضى، وآخر لم يتّضح بعد.
وصلتُ أثناء الغروب، لا دهشة ولا اندفاع، فقط شعور هادئ أن الوتيرة بدأت تهدأ.
في أول دخول للحرم انخلع شيء ما، لم أره، لكن شعرتُ بغيابه من جهة الصدر، ومن عمقٍ لا تُدركه الكلمات.
لم يكن سروراً، ولا نشوة، بل فرجاً.
ففي المدينة، لم يكن السكون مفاجئاً، بل بالتدرّج، شيئاً فشيئاً. فما تبقّى من قلق وتوتُّر لم يعُد حاضراً كما كان، والأسئلة المعتادة: متى؟ وكيف؟
سكنت في الصمت، فلم أعد أستعجل الإجابة، ولا أراقب النتيجة. أترك الأمر، فتستقيم الخطوة وحدها.
هنا، سقط السؤال عن اليقين واكتفيت بحضورٍ مع ربّي حمداً وشكراً.
(3) مسجد قباء: في تلك الليلة خرجتُ إلى مسجد قباء، لم يكن في النيّة ترتيب، ولا سعي لفضيلةٍ محفوظة، ولا فكرة واضحة عمّا سيأتي بعد.
بل كان امتداداً لذلك السكون، الذي بدأ يتكوّن في الداخل.
كانت ليلة جمعة، وهذا وحده كان كافياً لأن أترك الأمر كما هو.
دخلتُ المسجد، قمتُ الليل بلا تصوّرٍ مُسبق، ثم الشفع والوتر، وتلاوةٍ من كتاب الله، وحين خرجتُ من قباء، لم أخرج كما كنت.
وقفتُ قليلاً، ثم انطلقتُ بالسير، مضيتُ على الطريق ذاته، الذي كان يسلكه النبي ﷺ من قباء إلى المسجد النبوي.
في البداية، عاد القلق، ليس خوفاً، بل استعجال قلق..
هل سأصل قبل صلاة؟ ثم أخذني التسبيح، فاستقرت الخطوة، لا عن قرار، ولا عن محاولة تهدئة، بل من غير استدعاء.