حين يُشوَّه التراث... من خلل المفهوم إلى غياب المنهج
ليس كل كتاب يُطبع عن التراث إضافةً إلى التراث، وليس كل ما يُكتب تحت لافتة «اللهجة» يخدم اللهجة. فبين الطباعة والمعرفة مسافة، وبين الجمع والتوثيق فرق، وبين العنوان البرَّاق والمحتوى العلمي هوّة.
في السنوات الأخيرة بدأت تظهر في المشهد الثقافي ظاهرة مقلقة: تفريغ مفهومَيّ التراث واللهجة من مضمونهما العلمي، وتحويلهما إلى عناوين جذابة لمحتويات مرتبكة، ثم تقديم ذلك للقارئ على أنه «خدمة للهوية».
التراث الشعبي ليس قائمة كلمات، ولا دفتر ملاحطات لغوية، بل منظومة ثقافية متكاملة: حكايات، أمثال، أغانٍ، عادات، طقوس، وسياقات اجتماعية وتاريخية تعطي هذه العناصر معناها ووظيفتها. واللهجة بدورها ليست مخزن مفردات، بل هي نظام لغوي له بنيته الصوتية والصرفية والدلالية ومسارات تطوره. وأي كتابة تفصل اللفظة عن سياقها، أو تفصل اللهجة عن بنيتها، إنما تمارس تفريغاً للمفهوم قبل أن تمارس توثيقاً له.
في هذا السياق، يمكن قراءة كتابين: «الموروث الشعبي في اللهجة الكويتية»، و«المجكنم». وهما مثالان مختلفان لمسارين مختلفين من الخلل، لكن نتيجتهما واحدة: إرباك معنى التراث، وتسييل مفهوم اللهجة.
يقدِّم كتاب «الموروث الشعبي في اللهجة الكويتية» نفسه بوصفه عملاً توثيقياً، غير أن القارئ لا يجد فيه المقومات الأساسية لأي عملٍ من هذا النوع. فلا مقدمة منهجية توضِّح هدف الكتاب أو إشكاليته، ولا شرح لطبيعة المادة: هل هي روايات شفوية؟ أم مقتبسة من مصادر مكتوبة؟ أم خليط من ذلك؟ كما يغيب أي تحديد لطريقة الجمع أو معايير الاختيار.
ثم تأتي المشكلة الأكثر وضوحاً: فوضى ترتيب المادة. يبدأ الكتاب بحرف الغين، ثم ينتقل إلى الواو، ثم الفاء، ثم التاء، في تسلسل لا يخضع لأي منطقٍ معجمي أو لغوي أو موضوعي. وعندما يُبرَّر هذا الخلل بعبارة «تنوع الموضوعات الاستشهادية» ندخل منطقة ارتباك مفاهيمي صريح، لأن هذا المصطلح لا وجود له في علم المعاجم ولا في دراسات اللهجات ولا في البحث الفلكلوري، فضلاً عن أن الكتاب نفسه يخلو من أي استشهاد أو توثيق أو إحالة.
يتبع في العدد القادم...