نهايات محتومة

نشر في 05-02-2026
آخر تحديث 04-02-2026 | 20:28
 حسن العيسى

كثير من الأدبيات السياسية الغربية باتت تتحدث، بلهجة متزايدة الوضوح، عن أفول الليبرالية الرأسمالية وصعود الدول ذات الطابع الاستبدادي. ولم يعد هذا النقاش حِكراً على التيارات النقدية الراديكالية، بل تسلل إلى منابر محافظة راسخة، إذ خصصت مجلة الإيكونوميست، التي تُعد من أبرز أصوات اليمين الليبرالي المحافظ، مقالاً بعنوان «هل الديموقراطية الليبرالية في تراجع نهائي؟». وفي السياق ذاته، نشر الكاتب فيليب بيلكنغتون كتابه الأخير «تهاوي الليبرالية العالمية وبزوغ عالم ما بعد النظام الدولي الليبرالي»، في إشارة لافتة إلى تحوّلٍ بنيوي يتجاوز الأزمات العابرة.

 تعددت الكتب والمقالات التي تناولت هذا الموضوع، وجاءت أحداث العقود الأخيرة لتمنحه زخماً إضافياً، مع الانتشار الواسع للأنظمة الأوتوقراطية. ولا يغيّر من طبيعتها الاستبدادية وجود انتخابات برلمانية شكلية، تُجرى تحت هيمنة السلطة التنفيذية وتحكم الرئيس والنخبة الحاكمة، بما يطيل عمرها السياسي تحت غطاء ديموقراطي واهٍ. وتبرز هنا نماذج مثل هنغاريا ودول غيرها، حيث تُفرَّغ الديموقراطية من مضمونها مع الحفاظ على مظاهرها.

 يتقاطع الحديث عن أفول الليبرالية مع سرديات تراجع الإمبراطورية الأميركية وصعود الصين بوصفها القوة المرشحة لقيادة النظام الدولي المقبل. وتشير «الإيكونوميست» إلى أن التراجع الديموقراطي تزامن مع صعود الشعبوية، وتفكك النظام الليبرالي العالمي، وتباطؤ اقتصادي، وديموغرافي واضح. ومن هذا المنظور، لا تبدو الاضطرابات السياسية والجيوسياسية في العقد الأخير استثناءً أو سلسلة أحداث عارضة، بل ملامح «الوضع الطبيعي الجديد». وتستشهد المجلة بكلمة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مؤتمر دافوس، حين أكد أن النظام الليبرالي العالمي بات متصدعاً وفاقداً لتماسكه السابق.

 تاريخياً، ارتبطت الليبرالية — من دون الدخول في جدل تعريفاتها وصورها المتجددة — بصعود البرجوازية الرأسمالية، وبمشاريع التحديث والاستعمار التي قادتها دول أوروبا الغربية، فقد بدأت كحركة لهدم الهرم الملكي في أوروبا، وإرساء مبادئ التعاقد بين الشعوب والسلطات، ثم امتد منطق العقد ليشمل العلاقات الاجتماعية نفسها، كما في تفكيك سلطة الأب البطركية داخل الأسرة. كانت فكرة العقد الاجتماعي نقيضاً مباشراً للوصاية التي فرضتها الأنظمة الملكية آنذاك، ووجدت شرارتها الأولى في الثورة الإنكليزية بالقرن السابع عشر، حين أُقر مبدأ خضوع الملك للقانون، ثم تبلورت لاحقاً في الثورة الأميركية، وأعقبتها الثورة الفرنسية.

 أما مقولة «نهاية التاريخ»، التي بشّر بها فوكوياما عام 1989، فقد سقطت سريعاً، فلم ينتهِ التاريخ مع تفكك الاتحاد السوفياتي، بل انتهت مرحلة لتبدأ أخرى، هي مرحلة الهيمنة الأميركية - الأوروبية. وهذه المرحلة نفسها تقترب اليوم من نهايتها، لتفتح الباب أمام طور جدلي جديد، لم تتضح معالمه النهائية بعد.

في هذا المشهد المتحوّل، يقف العالم العربي في موقع المراقب، يكتفي بمتابعة ما يجري دون قدرة حقيقية على التأثير، فهو «مع الخيل يا شقرا»، في لحظة تاريخية تعاد فيها صياغة موازين القوة والنماذج السياسية على مستوى العالم.

back to top