تقرير اقتصادي: بيروقراطية بلا بوصلة... كيف عُرقل اكتتاب «أم الهيمان»؟

• هيئة الشراكة تخلّفت عن الموعد المحدد ثم طرحت ممارسة غير ضرورية
• حصر المواطنين المستحقين لا يتطلب إلا تنسيقاً بين «المعلومات المدنية» و«المقاصة»
• ما فائدة وزارة الإعلام إذا كانت الحملة الإعلامية تتطلب شركة وممارسة؟!

نشر في 05-02-2026
آخر تحديث 04-02-2026 | 19:51
محمد البغلي
محمد البغلي

يشكّل إعلان هيئة مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص طرح ممارسة عامة بشأن إعداد الدراسات الاستشارية الخاصة باكتتاب ونقل ملكية الأسهم المخصصة للمواطنين الكويتيين في شركة أم الهيمان لمعالجة مياه الصرف الصحي، صورةً من صور البيروقراطية الحكومية، التي تعوق تحقيق المنافع الاقتصادية والمالية للدولة والقطاع الخاص والمستثمر الأجنبي، فضلاً عن المواطنين.
فطرح المناقصة، الذي بدأ، حسب الجريدة الرسمية، مطلع الشهر الجاري وينتهي تقديم العطاءات في 1 أبريل المقبل يتبعه مدة سريان للعطاء 90 يوماً من تاريخ الإقفال، أي أن إعلان الجهة الفائزة لن يتم إلا في يوليو المقبل، أي في فترة عطلة الصيف؛ مما يرجح أن إطلاق الاكتتاب - دون بيروقراطية حكومية إضافية - سيكون في الربع الأخير من العام الحالي، مع العلم بأن هيئة مشروعات الشراكة سبق أن حددت موعد طرح اكتتاب أم الهيمان للمواطنين في نهاية العام الماضي، وهو ما لم يحدث بالطبع.

شركة مستشفيات الضمان الصحي أُسست عام 2014 ولم تُطرح للاكتتاب حتى الآن

تأخّر لسنوات
غير أن تأخر الاكتتاب العام في أسهم «أم الهيمان» لا يحسب فقط بسنة واحدة، فالشركة أسست في نهاية عام 2019 برأسمال 49 مليون دينار، وتولّت الدولة سداد حصة المواطنين لطرحها للاكتتاب لاحقاً، وكان مفترضاً أن تطرح الأسهم بين عامي 2023 و2024، مما يشير إلى عدم فهم الأجهزة الرسمية حتى لو كانت ذات طبيعة اقتصادية لأهمية الاكتتابات العامة والإصدارات الأولية في تنشيط السوق المالي أو تعزيز الثقافة المالية والاستثمارية للمواطنين.

تعمُّد التعطيل 
اللافت في إعلان هيئة مشروعات الشراكة أن طرح الممارسة تضمن ما يمكن وصفه بغير ضروري أو عمل بيروقراطي يتعمد التعطيل، فمثلاً مهمة حصر المواطنين المستحقين للاكتتاب لا تتطلب ممارسة وطرحاً وترسية، بل مجرد تنسيق بين الهيئة العامة للمعلومات المدنية والشركة الكويتية للمقاصة، أما وجود موقع إلكتروني محمي لاكتتاب المواطنين فهو موجود أصلاً منذ عام 2019، عندما أُتيح لجميع الكويتيين الاكتتاب العام بنجاح في أسهم شركتَي البورصة وشمال الزور من خلال تطبيق ipo (اكتتاب الكويت)، ولا يزال يتمم عمليات الإصدارات الثانوية واكتتابات زيادة رؤوس الأموال، وتتدفق من خلاله مئات الملايين من الدنانير بحماية مرتفعة الجودة والكفاءة.

منذ 2013 طرحت الدولة اكتتابين عامين فقط وكلاهما حقق للمساهمين مكاسب بأضعاف ما اكتتبوا فيه من قيمة الأسهم

إعداد النشرة
أما مهمة إعداد نشرة اكتتاب لطرح أسهم «أم الهيمان»، فهو وإن كان الجانب الوحيد الوجيه في طرح الممارسة، إلا أنه يمكن إسناده لو أن ثمّة جدية في الطرح إلى شركات شبه حكومية تساهم فيها الدولة كالشركة الكويتية للاستثمار المملوكة في أغلبيتها للهيئة العامة للاستثمار، أو شركة وفرة التابعة لمؤسسة التأمينات الاجتماعية، وكلتا الجهتين تتمتع بمهنية وكفاءة عالية، فضلاً عن إشراف ورقابة هيئة أسواق المال.

جدوى الإعلام
لكن غير المنطقي، والذي يماثل المفارقة أو «النكتة»، هو ما تضمنه طرح الممارسة من أن نطاق عمل الجهة الفائزة هو أن يمتد «نطاق العمل على إقامة حملة إعلامية عامة عن طريق وسائل الإعلام الكويتية المقروءة والمرئية والمسموعة، تدعو فيه المواطنين إلى تسديد قيمة الاكتتابات المستحقة عليهم»... وهذا ما يطرح تساؤلات حول دور وزارة الإعلام وجدوى إنفاق مئات الملايين على أجهزة الإذاعة والتلفزيون والمطبوعات الحكومية؟! 
وفي الحقيقة يتضح من تأخُّر الاكتتاب وتأجيله ثم طرح ممارسة غير ضرورية أن مؤسسات الدولة لا تعي قيمة الاكتتابات العامة وأثرها النافع على الاقتصاد وتنوعه والسوق المالي وتحفيز جذب المستثمرين الأجانب، فضلاً عن تحقيق منفعة مالية للمواطنين ترفع من وعيهم الاستثماري، وتقلل المطالب الشعبوية دون الإضرار بالمالية العامة أو استدامة الاقتصاد، فمنذ توزيع أسهم بنك وربة مجاناً على المواطنين عام 2013، طرحت الدولة اكتتابين عامين فقط للمواطنين؛ هما شركة بورصة الكويت وشركة شمال الزور الأولى، وكلاهما حقق للمساهمين مكاسب بأضعاف ما اكتتبوا فيه من قيمة الأسهم.
في المقابل، طرحت دول مجلس التعاون الأخرى، خصوصاً الإمارات والسعودية، عشرات الإصدارات الحكومية الأولية، إضافة إلى الاكتتابات الخاصة، ومنها شركات كويتية أُدرجت في أسواق خليجية!

تطبيق ipo «اكتتاب الكويت» متوافر منذ سنوات... فلماذا البحث عن بديل؟

خبرة وتباطؤ
والمؤسف أن الكويت تمتلك خبرة واسعة في اكتتابات الشركة وتأسيسها تمتد إلى نحو 80 عاماً، ونأتي اليوم لنشهد تباطؤاً غير مبرر في إطلاق الإصدارات، وهو أمر لا ينحصر فقط في شركة أم الهيمان للصرف الصحي، أو قبلها شركة مستشفيات الضمان الصحي التي أُسست عام 2014، وأيضاً لم تطرح للاكتتاب حتى الآن... بل في تأخّر تأسيس نحو 20 شركة مُقرّة من حيث المبدأ ضمن خطط التنمية المتتالية في قطاعات نافعة للاقتصاد؛ كالكهرباء والماء والشبكات الضوئية والتكنولوجيا والاتصالات والمصافي والبتروكيماويات والصناعات التحويلية، فضلاً عن الاستثمار في القطاعات الصحية والترفيهية والبيئة ومعالجة النفايات.

تلكؤ وإضرار 
لا شك في أن للتلكؤ الحكومي في طرح الاكتتابات العامة للمواطنين ضريبة متعددة الضرر على مناحٍ متنوعة من الاقتصاد، فهي نافعة للدولة من ناحية تنويع السوق المالي، وللقطاع الخاص عبر جذب الاستثمار الأجنبي وتحالفاته في مشاريع الشراكة، والأهم للمواطن من جهة تكوين محفظة استثمارية تعزز الثقافة المالية، وتقلل المطالبات الشعبوية دون إرهاق للاقتصاد أو المالية العامة.

تعاكس أهدافها 
هيئة الشراكة التي تطرح ممارسة غير ضرورية لاكتتاب شركة أم الهيمان للصرف الصحي هي ذاتها التي ستعيد طرح 23 مشروع شراكة جُلّها مجمعات تجارية ومسالخ وأسواق خضراوات ولحوم، وأفضلها مصنعان متوسطان لمعالجة النفايات، بينما مشاريع الشراكة فلسفتها هي طرح مرافق كبرى تجذب استثمارات وخبرات وإيرادات، وتوفّر فرص عمل وتنمّي وتنوّع الناتج المحلي الإجمالي، كالمطارات والموانئ والمدن الصناعية والاقتصادية والخدمات، ويفترض أن تنقل المشاريع من نظام المناقصات القديم إلى مشاريع شراكة فعلية ذات قيمة مضافة للاقتصاد... وهذا ما يجعل بعض الهيئات الاقتصادية بمنزلة العائق الذي يمنع تحقيق الأهداف التي أُسست الهيئة لأجلها.

back to top