وجهة نظر: من استاد الإمارات إلى بكين... كرة أعادت رسم مسار اقتصادي

نشر في 05-02-2026
آخر تحديث 04-02-2026 | 18:53
 سليمان الطراح في الاقتصاد، كما في كرة القدم، ليست كل الخسائر عبثية. بعض الهزائم تكون مجرد نتيجة عابرة، وبعضها يتحوّل إلى رمز.
من هذا المنطلق، شدّتني - كمشجّع قديم لأرسنال ومتابع للتحوّلات الاقتصادية - تفاصيل زيارة رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر إلى الصين، حين قدّم للرئيس الصيني، المعروف بتشجيعه الشديد لمانشستر يونايتد، كرة مباراة أرسنال ومانشستر يونايتد، التي أُقيمت في الجولة الثالثة والعشرين من الدوري الإنكليزي الممتاز يوم 25 يناير الماضي. قد تبدو لفتة حسّية، نعم، لكنها تصلح مدخلاً لفهم ما يجري اقتصادياً على نطاق أوسع.
بعيداً عن السياسة المباشرة، كان جوهر الزيارة اقتصادياً بامتياز. فبريطانيا، مثل كثير من الاقتصادات المتقدمة، تبحث عن النمو في بيئة عالمية أكثر صعوبة، تتسم بتباطؤ الطلب، والتشدد المالي، واضطراب سلاسل الإمداد مقارنة بما كانت عليه سابقاً. 
وفي هذا السياق، تبرز الصين - رغم كل التعقيدات - سوقاً محورية لا يمكن تجاهلها، لا بوصفها شريكاً مثالياً، بل عنصراً أساسياً في معادلة التجارة والاستثمار العالميين.
ما يميّز هذه المرحلة هو اللغة المستخدمة. لم يعد الحديث يدور حول شراكات كبرى أو وعود سياسية، بل عن أرقام ورسوم وتسهيلات تجارية وحركة شركات. وقد حملت الزيارة في طياتها اتفاقات عملية وتفاهمات اقتصادية تعكس منطق السوق قبل منطق الخطاب، وهو فارق جوهري بينها وبين كثير من التغطيات السياسية التي ركّزت على رمزية التقارب أو ردود الفعل الدولية.
اقتصادياً، نحن أمام إعادة تسعير للعلاقات. لم تعد الدول تسأل: من هو الحليف؟ بقدر ما تسأل: أين السوق؟ وأين المخاطر؟ وأين الفرص؟ هذا المنطق لا يقتصر على بريطانيا وحدها؛ فأوروبا بأكملها تتحرّك اليوم من فكرة «فك الارتباط» مع الصين إلى مقاربة أكثر واقعية قوامها إدارة التشابك وتقليل المخاطر. والفرق بين النهجين كبير؛ فالأول مكلّف وغير عملي، فيما يعكس الثاني عقلية اقتصادية أكثر نضجاً.
في الخلفية، تؤدي التحوّلات في السياسة الاقتصادية الأميركية دوراً غير مباشر، فاعتماد التجارة أداة ضغط، والعودة إلى النزعة الحمائية، دفعا كثيراً من الاقتصادات إلى البحث عن توازن أدق في علاقاتها التجارية. ولا يعني ذلك الخروج من تحالفات قائمة، بل محاولة لتخفيف التعرّض للصدمات، فالاقتصاد، في نهاية المطاف، لا يحب المفاجآت الحادة.
ما نشهده اليوم هو مرحلة انتقالية في الاقتصاد العالمي. لا يوجد نظام جديد مكتمل المعالم بعد، لكن الاتجاه بات واضحاً: تراجع اليقين، صعود إدارة المخاطر، وتقدّم البراغماتية على الشعارات. أصبحت العلاقات الاقتصادية تُدار على نحو يشبه إدارة المحافظ الاستثمارية: تنويع في الشركاء، تحوّط من التقلبات، وعدم الرهان الكامل على مسار واحد، مهما بدا مريحاً في الماضي.
في النهاية، لم تكن كرة أرسنال التي خرجت من استاد الإمارات ووصلت إلى بكين مجرّد تذكار مباراة. بالنسبة لي، كانت تذكيراً بأن بعض الخسائر تحمل في داخلها بداية مختلفة. فالهزيمة في الملعب تُنسى مع مباراة قادمة، لكن الإشارات الاقتصادية التي تكشفها لحظة كهذه قد تفتح مسارًا جديدًا للفهم واتخاذ القرار.
في كرة القدم كما في الاقتصاد، ليست كل الهزائم سيئة... وبعضها، على الأقل، يمنحك سبباً لابتسامة خفيفة وأنت تعيد قراءة المشهد من زاوية أوسع.
back to top