الإسلاموفوبيا الرقمية والاستشراق الخوارزمي (2 - 2)
• من توصيف الخلل إلى تفكيكه: من يملك حق التدخل؟
إذا كان المقال الأول قد كشف كيف تسللت الصور النمطية القديمة، التي أنشأها المستشرقون الغربيون عن العرب والمسلمين إبّان عصر الاستعمار الغربي، من الكتب إلى الصحف إلى التلفاز والقنوات، ثم السرديات الإعلامية في وسائل التواصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، فإن السؤال الطبيعي اليوم لم يعد: هل هناك تحيّز؟ بل: من المسؤول عن تصحيحه؟ والأهم: كيف يمكن التدخل في منظومات تقنية عابرة للحدود دون الوقوع في خطاب المظلومية أو الرفض العدمي للتقنية؟الحقيقة أن التحيّز الخوارزمي ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات بشرية تراكمية، تبدأ من تصميم البيانات، وتمر بآليات التوصية، وتنتهي بسياسات الضبط والرقابة، وبالتالي فإن معالجته ليست مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية موزعة بين الفرد، والمؤسسة، والدولة.
أولاً: دور الفرد... من المتلقي إلى الشريك المعرفي
في العصر الرقمي، لم يعد الفرد – مثقفاً كان أو باحثاً أو عالم دين – مجرد مستهلك للمحتوى. كل نص يُنشر، وكل شرح يُقدَّم، وكل خطاب يُصاغ، يتحول تلقائياً إلى مادة تتعلم منها الخوارزميات. المشكلة أن كثيراً من الإنتاج العربي والإسلامي إما غائب، أو انفعالي، أو غير قابل للفهم السياقي خارج دائرته المحلية.
الدور المطلوب من الفرد اليوم هو إنتاج معرفة رقمية واعية: محتوى يشرح ولا يصادم، يفسّر ولا يختزل، ويقدّم المفاهيم الإسلامية بلغة دقيقة تراعي أن القارئ لم يعد إنساناً فقط، بل آلة تعيد التصنيف والترجمة والتلخيص. عالم الدين، على وجه الخصوص، بات مطالباً بوعي لغوي جديد: أن يدرك أن المصطلح الفقهي إذا خرج من سياقه قد يتحول خوارزمياً إلى مؤشر خطر. والمثقف مطالب بأن يخرج من دائرة النقد المجرد إلى دائرة البناء المعرفي الرقمي القابل للتداول عالمياً.
ثانياً: دور المؤسسات المدنية... من الاحتجاج إلى البناء
الجامعات، ومراكز البحوث، والمؤسسات الثقافية، ومنظمات المجتمع المدني، تملك قدرة أكبر من الأفراد على إحداث أثر تراكمي، غير أن كثيراً من هذه المؤسسات ما زال يتعامل مع التحيّز الرقمي بوصفه قضية أخلاقية يُكتفى بإدانتها، لا ملفاً معرفياً يحتاج إلى عمل منهجي طويل النفس.
الدور الحقيقي لهذه المؤسسات يتمثل في ثلاثة مسارات متوازية:
أولها، توثيق التحيّز الخوارزمي بطريقة علمية هادئة، عبر رصد الأخطاء المتكررة في الترجمة، والتصنيف، والتوصية.
وثانيها، بناء محتوى رقمي موثوق: قواعد بيانات، موسوعات، منصات تعليمية، وأرشيفات معرفية عربية وإسلامية حديثة، قابلة للاستخدام في تدريب النماذج الذكية.
وثالثها، الحوار المهني مع الشركات التقنية الكبرى، بلغة المعرفة لا الاتهام، وبمنطق الشراكة لا الصدام، وهو مسار أثبت في تجارب عالمية أنه أكثر فاعلية من الضغط الإعلامي وحده.
ثالثاً: دور الحكومات... السيادة في عصر الخوارزميات
الذكاء الاصطناعي لم يعد مسألة تقنية محضة، بل أصبح جزءاً من السيادة المعرفية للدول. الصورة الذهنية للدين والثقافة والمجتمع لم تعد تُصاغ في الكتب المدرسية وحدها، بل في محركات البحث، ونماذج اللغة، وأنظمة التوصية. تجاهل هذا الواقع يعني ترك تشكيل الوعي العالمي في يد أطراف أخرى.
دور الحكومات العربية والإسلامية يبدأ من الاعتراف بأن المحتوى الرقمي أصل استراتيجي. دعم مشاريع البيانات الوطنية، وتشجيع تطوير نماذج لغوية عربية، وتمويل الأبحاث المتعلقة بالتحيّز الخوارزمي، كلها أدوات سيادية بامتياز، كما يشمل هذا الدور إدراج قضايا العدالة الخوارزمية ضمن الحوارات الدبلوماسية والتقنية مع الشركاء الدوليين، تماماً كما تُدرج قضايا التجارة أو الأمن السيبراني.
من يملك حق التدخل؟
قد يُطرح السؤال: هل يحق لنا التدخل في أنظمة لا نملكها؟ الجواب الواقعي هو أن التدخل لا يعني السيطرة، بل المشاركة في صياغة المعايير. الذكاء الاصطناعي مشروع إنساني جماعي، وكلما غاب صوت ثقافي أو معرفي عن طاولة التصميم، انعكس غيابه في المخرجات.
الخلاصة: العدالة الرقمية مشروع طويل النفس
الإسلاموفوبيا الرقمية ليست نتيجة مؤامرة تقنية بقدر ما هي نتاج تراكم تاريخي انتقل من الكتب إلى الشاشات، ثم إلى الخوارزميات، ومعالجتها لا تكون بالإنكار ولا بالغضب، بل ببناء بدائل معرفية، وإعادة التوازن إلى البيانات، وإدخال البعد الإنساني في صميم التصميم التقني.
وحين يدرك الفرد مسؤوليته المعرفية، وتتحول المؤسسات من الشكوى إلى البناء، وتتعامل الحكومات مع الذكاء الاصطناعي بوصفه ملفاً سيادياً، يمكن حينها فقط تفكيك هذا النمط الخفي من الاستشراق. فالصور التي رسمها مستشرقو الغرب في عصر الاستعمار العسكري، وأُريد لها يوماً أن تبرّر الهيمنة وتؤسس للوصاية، عادت اليوم في هيئة خوارزميات صامتة تعيد إنتاجها بلغة الأرقام والاحتمالات. وعندها لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة تشويه، بل يمكن – إذا أُحسن ضبطه – أن يتحول إلى فرصة لإعادة صياغة المستقبل بعدل واتزان.