الأعمال الجليلة... سؤال العدالة وحدود الاجتهاد
ماذا لو بادرت وزارة الداخلية إلى عقد مؤتمر صحافي تشرح فيه للرأي العام الخلفيات القانونية والسياسية لمراسيم سحب الجنسية الأخيرة؟ فالغموض الذي يلفّ هذه القرارات لا يقتصر على التفاصيل الإجرائية، بل يمتد إلى جوهر مفهوم «الأعمال الجليلة» نفسه، خصوصاً مع ورود أسماء شخصيات معروفة ونجوم تركوا بصمتهم في تاريخ الدولة الحديث.
قد يكون لمجلس الوزراء اجتهاده الخاص في تفسير مفهوم «الأعمال الجليلة»، وربما ينحصر هذا التفسير - في الرؤية الحكومية - في التضحية بالنفس من أجل الوطن، أو ما كان في حكمها من أفعال استثنائية ذات طابع عسكري أو أمني. غير أن هذا الفهم، مهما كانت وجاهته، يظل اجتهاداً واحداً لا يرقى إلى مستوى الإجماع، ولا يغلق الباب أمام رؤى أخرى لا تقل وجاهة.
فهناك من قدّم خدمات كبرى لاقتصاد الدولة وماليتها واستثماراتها، وهناك من شرّف الكويت في المحافل الرياضية الدولية، كما أن هناك أسماء أفنت عقوداً من عمرها في خدمة الثقافة، والمسرح، والفنون، والعمل الفكري والأدبي.
أفلا تدخل هذه الإسهامات، بما لها من أثر تراكمي طويل المدى، في صميم «الأعمال الجليلة»؟ وإذا كانت الحكومة ترى غير ذلك، فمن حق الرأي العام أن تُعرض عليه رؤية أوسع وأكثر ثقلاً، تشرح بوضوح كيف يُعرّف هذا المفهوم، وما حدوده، وما فلسفته.
في هذا السياق، استند أحد المؤيدين لقرارات سحب الجنسية إلى حجة مفادها أن منح الجنسية وفق بند «الأعمال الجليلة» كان - قبل عام 1968 - يخضع لإجراءات محددة عبر لجان خاصة تراجع الأسماء وتقرّ أحقيتها، وأن هذه اللجان توقفت عن العمل في ذلك العام، مما يجعل كل من اكتسب الجنسية بعده وفق هذا البند فاقداً للسند الصحيح.
قد تكون هذه وجهة نظر الحكومة، لكنها ليست الوحيدة.
فهناك اجتهاد قانوني آخر يرى أن قرارات منح الجنسية بعد عام 1968 صدرت عن سلطة مختصة، وأنها أنشأت مراكز قانونية استقرت مع مرور الزمن، واكتسبت حصانة موضوعية ضد الإلغاء، بحكم طول المدة واستقرار الأوضاع.
وهنا يبرز سؤال مقلق: كيف يمكن طمأنة المواطنين الذين استقرت حياتهم وانتماءاتهم، إذا كان واقع الانتماء ذاته مهدداً بالإلغاء والنفي بعد عقود؟ ويتعاظم هذا القلق حين تمتد قرارات سحب الجنسية إلى الأبناء والأحفاد، بحكم التبعية، في حين أن معظم من مُنحت لهم الجنسية وفق بند الأعمال الجليلة قد انتقلوا إلى رحمة الله.
فبأي منطق يُحمَّل الأبناء وزر قرارات لم يكونوا طرفاً فيها، ولا يملكون بشأنها خياراً أو مسؤولية؟ اليوم، تمتلك الحكومة سلطة تنفيذية وتشريعية، ولها - إن أرادت - أن تعيد النظر في قوانين الجنسية، وأن تُقيّد أو تُلغي مبدأ السحب بالتبعية. وهو مسار يبدو أجدر بالوطن، وأكثر اتساقاً مع العدالة، وأحرص على استقرار المجتمع ومستقبله.
ولا يمكن في الوقت نفسه تجاهل حقيقة تاريخية مفادها أن مفهوم «الأعمال الجليلة» أُسيء استعماله في فترات سابقة، حيث مُنحت الجنسية لأشخاص لا تنطبق عليهم شروطه، أحياناً في إطار صفقات سياسية أو مالية غير مشروعة، ثم غُطّيت هذه الممارسات بغطاء هذا المفهوم الفضفاض.
وهنا، لا خلاف على أن مثل هذه الحالات لا تمثّل انتماءً حقيقياً للوطن، ولا يجوز الدفاع عنها.
لكن العدالة تقتضي التمييز لا التعميم، والتحقيق لا الإلغاء الشامل.
فلا يُحاسَب من قدّم خدمات حقيقية وجليلة للوطن بجريرة من استغل السلطة أو تلاعب بالقانون. وحده هذا التمييز الدقيق بين المشروع وغير المشروع هو ما يجعل ميزان العدالة صادقاً، ويمنح الدولة قوتها المعنوية قبل القانونية.