في أيّ صفحات التَّاريخ تريد كتابة اسمك يا رشـاد؟!
جاء رشاد العليمي إلى رئاسة مجلس القيادة الرئاسـي في لحظةٍ يمنيةٍ هي الأكثر تعقيداً منذ قيام الجمهورية، دولة ممزقة، وحرب أهلية طويلة، وشرعية ضعيفة، وتدخلات إقليمية مُتشابكة، ولكن لم يكن المطلوب منه إحداث معجزة ما، بل رسم حد أدنى من القيادة الواضحة، والقُدرة الكاملة على تمثيل فكرة الدَّولة، لا مجرد إدارة توازنات مؤقتة، قائمة على المصالح الشَّخصية والفئوية والمناطقية، ولكن بعد مرور وقتٍ كافٍ لتشكيل صورة للمشهد برمته، يبدو أن العليمي اختار - أو فُرض عليه - دور الرئيس الإداري لا القائد السياسي، حضور باهت في الدَّاخل، وخطاب حذر إلى حدِّ الصَّمت فيما يجري في وطنه، ومواقف تُدار بمنطق المصالح والتَّسويات لا بمنطق بناء الدَّولة والحفاظ على كيانه، وهنا يفهم أن الصَّمت في زمن الانهيار ليس حكمة، بل مخاطرة تاريخية، كما أن المشكلة تبدأ هنا أيضاً، فالتاريخ لا يذكر من حافظ على الكرسـي وما أكثرهم ولكنهم غثاء كغثاء السَّيل، بل يكتب ويُدوّن اسم من حافظ على البلد، وصان سيادته وحريته، وما أقلهم في زمننا هذا!
قد يقول المدافعون إن الرَّجل ورث نظاماً متآكلاً، ومحكومٌ بتوازناتٍ إقليميةٍ ودولية، وإن هامش حركته محدود، ويمسك بسلطة اسمية، فيما القرار مُوزّعٌ، والولاءات مُتشظية، وهذا صحيحٌ، ولكن يجب عليه ألا يختبئ خلف الظُّروف إلى الأبد، بل أن يتحمَّل المسؤولية، ويواجه الصِّعاب، ويثبت زعامته وقيادته، فكثيرون قبله حكموا في ظروفٍ قاسية، ولم يُسجَّلوا لأنهم انتصـروا عسكرياً، بل لأنهم قالوا لا عندما كان قولها مُكلفاً جدَّاً.
إن المشكلة الأعمق تتمثل بأن العليمي نفسه، سواءً منفرداً أو مع أعضاء مجلسه الثُّماني، لم يقدِّم أو يُقدِّموا حتى الآن مشروعاً سياسياً واضح المعالم، فلا الخطاب خطاب دولة، ولا لديهم رؤيةٌ للسلام الدَّائم، ولا يتوفَّر لديهم أبسط من كل ذلك، تعريفٌ دقيق لمعنى الشرعية التي يتشدقون بها، وإنما يمارسون إدارة المشاكل اليومية، فهذه من منظور كل الخبراء ليست سياسة ولا نهج دولة، بل عمل وروتين مملُّ تصدَّع بفعله اليمن، واندثر.
والسُّؤال الذي سيبقى مُعلقاً، لا اليوم بل غداً هو: هل يُريد رشاد العليمي أن يُكتب اسمه كرجل المرحلة أم غورباتشوف اليمن - كما أطلق عليه الكثير من المُغردين والمُؤثرين؟! وهذا السُّؤال الذكيّ والمستفز للتاريخ قبل السِّياسة تجب الإجابة عنه، فرجل المرحلة هو من يعيد الاعتبار للدولة لا للمكونات، ويمتلك خطاباً صـريحاً، حتى لو كان مكلفاً، فإن فعل ذلك سيُخلد في التَّاريخ، أما إن استمر في إدارة التَّفكك بدل مواجهته، وتأجيل الحسم باسم الواقعية السِّياسية، والاكتفاء بدور «المنسّق» لا «القائد»، والرضا بأن يكون واجهةً شـرعيةً بلا سيادةٍ فعلية، فقد يُكتب اسمه كرجلٍ تفككت على يده ما تبقى من الدَّولة، لا لأنه أراد، بل لأنه لم يوقفه... وهنا فالزَّمن ليس بصالحه، إما أن يقفز خطوةً إلى الأمام، أو سيُدفَع خطوةً إلى الهامش، وحينها لن يكون السُّؤال: هل كان خائناً أم وطنياً؟ بل أقسى: هل كان موجوداً عندما احتاجه اليمن؟ وهذا سؤال لا يرحم أحداً، سواءً أكان العليمي أم رفقاءه السَّبعة!