الخليج ومفترق الطُّرق

نشر في 04-02-2026
آخر تحديث 03-02-2026 | 19:18
 بدور المطيري

مرَّ سريعاً على شريط الأخبار هذا الخبر، الولايات المتحدة الأميركية تُرسل سفينة حربية إضافية إلى الشرق الأوسط (ديلبرت دي)، والتي حطَّت مراسيها في ميناء إيلات على الجانب الإسرائيلي.

وتأتي هذه الخطوة ضمن تعزيزات عسكرية، في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وإيران، إذ عادت لغة الرسائل المتبادلة بينهما إلى نبرةٍ أكثر حِدَّة، وقد جمعت بين التحذير والردع، مع تأكيد أميركي على حماية المصالح والقوات، وفي المقابل تشديد إيراني على أن أي استهداف سيُقابل بالرد.

قد تبدو هذه الأخبار مألوفة في منطقة اعتادت على بيانات التصعيد، لكنها حقيقة تضع دول الخليج أمام مفترق طُرق حقيقي.

المتابع للمشهد السياسي الآن سيُلاحظ أن الحشود العسكرية ليست مجرَّد استعراض للقوة، ولا تصاعد حدة الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران، هي مجرَّد ضجيجٍ سياسي أو إعلامي، فما يُكتب هذه الأيام عن احتمال توجيه ضربة لإيران، كما تناولته بعض الأقلام التحليلية السياسية، يجب ألا يُقرأ بوصفه حدثاً عسكرياً معزولاً، بل يجب اعتباره اختباراً إقليمياً تقع ارتداداته في قلب الخليج قبل غيره.

مَنْ يقرأ التاريخ القريب سيعلم أن الحروب لا تبقى آثارها داخل الحدود المستهدفة، فهي كالزلازل وارتداداتها التي تتسع، ومَنْ يظن أن النار ستتوقف عند خط جغرافي معيَّن، فإنه يكرر وهماً قديماً أثبت فشله مراراً، فالضربة، إذا وقعت، فلن تكون شأناً إيرانياً فقط، بل ستكون زلزالاً يُعيد ترتيب قوى الأمن والاقتصاد والتحالفات وسلاسل الإمدادات والطاقة والاقتصاد والسياسة العالمية، ويضع الجميع أمام احتمالات يصعب الاختيار بينها.

في مثل هذه اللحظات الحاسمة لا يكون السؤال الأهم: هل ستقع الضربة أم لا؟ بل كيف سيقف الخليج؟

هنا تتقدَّم مسألة الوحدة الخليجية من كونها خطاباً سياسياً أو عاطفياً إلى كونها ضرورة واقعية مصيرية، فالخليج قدره أن يكون جغرافياً وسط منطقة ساخنة سياسياً تتشابك فيها المصالح والأمن والشعوب، ولا يحتمل رفاهية التباعد ولا ترف الخلافات الصغيرة، فالمنطقة اليوم لا تُدار بمنطق المُحايد، بل بمنطق الكُتل المتماسكة المترابطة والقادرة على حماية مصالحها في عالم يُعاد تشكيله بالقوة والمصالح.

في هذا التوقيت الحاسم يتضح أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في زمن الفوضى السياسية وصراع القوى العالمية هو الانقسام الداخلي، فحين يتصدَّع الصف لا يحتاج الخارج إلى جهدٍ كبير، والتاريخ العربي زاخر بالعِبر.

ثمة حقيقة واضحة، أن دول الخليح تبدو أكثر احتياجاً الآن أكثر من أي وقتٍ مضى إلى وحدة صفها، فالوحدة الخليجية لا تعني التطابق في المواقف، ولا إلغاء الخصوصيات الوطنية، بل وضع الخلافات جانباً، وتبنِّي رؤية أمنية مشتركة، وخطاب سياسي موحَّد، وتنسيق يسبق الأزمات، فالأمن لا يُدار بردود الأفعال، بل بالاستعداد.

وهي أمام مفترق طُرق حاسم، فإما التأكيد على الوحدة المتماسكة التي اعتدناها، والتي تُدار بالعقل والحِكمة والمصالح المشتركة، وإلا فإن أي تباعد، ولو كان بسيطاً، سيفتح الباب أمام الآخرين لفرض وقائعهم، والتاريخ لا يرحم أي انشقاق، وإن بدا هامشياً، لأي تكتلٍ قوي ومترابط، ولا يحمي مَنْ يظن أن الخطر سيقف عند حدود غيره. لذلك، فإن إظهار تماسك الوحدة الخليجية لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للنقاش أو التأويل، بل هو ضرورة حتمية في زمنٍ لا يعترف إلا بالقوى المتماسكة.

*يُنشر بالتزامن مع صحيفتَي سبق السعودية و{الشرق» القطرية

back to top