الأغلبية الصامتة: نظرية أبولو 11

نشر في 04-02-2026
آخر تحديث 03-02-2026 | 19:12
 إبراهيم المليفي

مع تطور طُرق ووسائل التواصل بين البشر، طورت نظرية خاصة أسميتها «أبولو 11»، متعلقة بسرعة تواصل بعض الناس فيما بينهم، ثم تطورت الأمور، لتشمل نماذج أخرى، مثل: المؤسسات والدوائر الحكومية وغيرها.

«أبولو 11» لمن لا يعرفها، هي المركبة الفضائية الأميركية التي حملت أول رواد فضاء تمكنوا من السير على سطح القمر عام 1961م. وكان من اللافت في ذلك الوقت هو طريقة التواصل بين تلك المركبة ومركز الفضاء في هيوستن، حيث يتم إرسال واستقبال الرسائل الصوتية بين الطرفين بعد ساعات طويلة، لبُعد المسافة ودوران الأرض حول نفسها، وقد بقيت تلك المعلومة مخزنة في ذاكرتي، كغيرها من المعلومات، تتحيَّن الفرصة للخروج في الوقت المناسب، وقد جاء.

لقد تواصلت، كغيري، مع العشرات من الأشخاص، على اختلاف مراكزهم وأسباب الاتصال، سواء هاتفياً أو برسائل «الواتس أب»، بعضهم يرد فوراً، وبعضهم يرد بعد فترة، والنوع الثالث، وهو بيت القصيد، أسميتهم رواد «أبولو 11». هؤلاء هم مَنْ أكره التواصل معهم، وأتحاشى بناء أي علاقات طويلة معهم، لأنهم صنف خطير على أي مشروع أو مصلحة متعلقة بحياة  الناس ومصالحهم، تتواصل معهم لأمرٍ خطير، فيردون في اليوم التالي، يطلبون خدمةً معينة، وعندما تُريد إبلاغهم بما تم، يردون بعد يومين، ويسألونك: «عن أي موضوع تتحدث؟». جوابي هو إغلاق الخط.

إن ما جعلني أضع رواد أبولو 11 في خانة الخطر، هو نقيضهم من البشر، والأمثلة كثيرة، فهناك وزراء، وفي خضم أعمالهم، يردون على الاتصالات ويتعذرون بأنهم في اجتماع، مثلاً، وهناك مسؤولون كبار يتعاملون مع مئات المواضيع، وبنفس الوقت يردون برسالة صوتية أو مكتوبة. ويوجد نواب برلمانيون يجدون في صندوق الرسائل أكثر من 500 رسالة و50 اتصالا هاتفيا بعد فراغهم من أداء الصلاة أو هبوط الطائرة على أرض المطار، فيتعاملون معها. وهنا أنا لا أتحدَّث عن التقدير الشخصي أو المصلحة التي تُوجب الرد، أنا أتحدَّث عن احترام الواجب الوظيفي. هؤلاء جميعاً يكشفون زيف وتفاهة وعجز رواد أبولو 11 ممن حملوا مسؤوليات أكبر من أحجامهم الحقيقية.

في الختام، إن خطر رواد أبولو 11 يزداد عندما يتكاثرون في الوزارات والمؤسسات، على اختلافها، ليستفحل انقطاع التواصل، ويصيب الشلل مفاصل المصلحة العامة والخاصة على السواء. هيوستن... هل تسمعينني؟

back to top