مجتمعات الصمت

نشر في 03-02-2026
آخر تحديث 02-02-2026 | 20:25
 حسن العيسى

تخيل أن تشاهد حريقاً يلتهم منزل جارك، ولا يحق لك أن تستغيث أو تحذّر ساكنيه. بل إن مجرد الصراخ قد يعرّضك للمساءلة والعقاب.
في هذا المشهد العبثي تتجسد ملامح واقع عربي مألوف: الكلام جريمة ما لم يُمنح الإذن من السلطة، والتحذير خطر، والرأي المستقل تهمة.

في هذا الواقع، تغيب حريات الضمير بالكامل، وتُختزل علاقة الشعوب بالأنظمة في واجب الطاعة. السلطة تقرر وتدبّر وتحتكر تعريف الصالح والطالح، في وقت يُطلب من المجتمع أن يصفّق أو يصمت. ليست حرية التعبير هنا ترفاً سياسياً أو شعاراً ديموقراطياً، بل هي حجر الأساس لكل الحريات، وشرط لا غنى عنه للنمو والتقدم، فالناس لا يكونون أحراراً ما لم يُسمح لهم بأن يقولوا ما في ضمائرهم، والعقول تضيق وتذبل حين تُغلق في وجهها أبواب التعبير.

في عالم عربي مختنق بتصريحات المسؤولين واستعراضاتهم، وبصورهم التي تقفز في وجوه الناس مع كل نشرة خبر وكل صفحة صحيفة، يعيش الواعون من البشر - من مثقفين وكتّاب ومفكرين - على الهامش. هؤلاء الذين يرفضون لعب دور «ترزية الأنظمة» إما يقبعون في سجون حقيقية لأنهم خالفوا تعليمات السلطة، أو يُزَجّ بهم في زنازين فكرية لا تقل قسوة، حيث يُسمح لهم بالحياة دون صوت.

يبقى السؤال معلقاً: لماذا هذا الخوف المرضي من الرأي الآخر؟ ولماذا يُلاحق كلام عادي لا يحرض ولا يشتم ولا يقذف، فقط لأنه مختلف؟ لماذا لا يُسمع الرأي المخالف، ولا يُترك ليكتب ويتحدث دون أن تُسلَّط عليه سيوف القوانين والسجون؟ تلك القوانين التي لا تمثل إرادة الشعوب، بل تُصاغ كأدوات عبودية، يفرضها نظام يتعامل مع شعبه بصفته وصياً عليه.

إن العبودية العقلية أخطر ما يمكن أن يواجه مستقبل أي دولة، فهي حين تُشيَّد على أسس مجتمعات الطاعة، تمحو الذات الإنسانية، وتزرع الخوف الدائم من الأجهزة الأمنية والرقابية. في مثل هذا المناخ، لا تزدهر الأفكار ولا تتقدم المجتمعات.

وقد كتب جورج أورويل عن عوالم القمع في 1984 ومزرعة الحيوان، لكن من المفارقة أنه لم يعش واقعنا العربي المختنق، ولو كان عربياً ربما لم يُتح له أن يكتب أصلاً، وربما عُرف باسم آخر: أورويل الأخرس.

back to top