الإبراهيم: عدم الإلمام بالتفاصيل المالية خطأ يقع فيه الكثير من أصحاب المشاريع
قلة الخبرة تساهم في فشل المشاريع الناشئة بالسوق الكويتي
كشف الشريك ومدير شركة بنش للاستشارات الإدارية والاقتصادية، المستشار المالي عبدالقادر الإبراهيم، الأسباب الجوهرية التي تؤدي إلى تسارع وتيرة فشل المشاريع الناشئة في السوق الكويتي مؤخرا، أبرزها قلة الخبرة الإدارية لدى بعض أصحاب المشاريع، وعدم توافر رأسمال يكفي لتغطية المصروفات عند عدم كفاية المبيعات النقدية، خصوصا في السنوات الأولى للمشروع، والتي يحتاج فيها إلى الدعم إلى أن يصبح لديه قاعدة عملاء كافية لتمويل المشروع ذاتيًا. وذكر في حواره أن المواسم المقبلة مثل شهر فبراير، رمضان، والعيد الوطني ليست "طوق نجاة" حقيقياً للمشاريع الصغيرة، معللاً ذلك بأن المبيعات العالية خلال فترة قصيرة غالباً لا تغطي المصروفات التشغيلية السنوية، ورغم أن شهر رمضان يعد موسماً لكثير من الأنشطة مثل الحلويات والأثاث، لكن الكثير من الأنشطة تقل إيراداتها خلاله مثل دور السينما ومطاعم الأسماك وغيرها. وأوضح ان من يريد جذب مستثمر حقيقي عليه أولًا أن يبني نظامًا ماليًا موثوقًا يعكس واقع المشروع بدقة وشفافية، منوهاً الى أن المعيار الحقيقي لنجاح المشروع ليس حجم المبيعات، بل قدرته على تحقيق ربح فعلي ومستدام. والى تفاصيل الحوار:
• هل تُعد المواسم المقبلة مثل شهر فبراير، رمضان، والعيد الوطني "طوق نجاة" حقيقيا للمشاريع الصغيرة، أم انها مجرد مسكّن مؤقت للإيرادات؟
- لا أعتقد ذلك، حيث إن المبيعات العالية خلال فترة قصيرة غالباً لا تغطي المصروفات التشغيلية السنوية. صحيح أن شهر رمضان المبارك يعد موسماً لكثير من الأنشطة مثل الحلويات والأثاث، لكن الكثير من الأنشطة تقل إيراداتها خلال هذا الشهر مثل دور السينما ومطاعم الأسماك وغيرها.
الشريك ومدير شركة بنش للاستشارات الإدارية والاقتصادية، المستشار المالي عبدالقادر الإبراهيم
• ما الأسباب الجوهرية التي تؤدي إلى تسارع وتيرة فشل المشاريع الناشئة في السوق الكويتي مؤخرًا؟
- الأسباب كثيرة، منها قلة الخبرة الإدارية لدى بعض أصحاب المشاريع، وعدم توافر رأسمال يكفي لتغطية المصروفات عند عدم كفاية المبيعات النقدية، خصوصا في السنوات الأولى للمشروع، والتي يحتاج فيها المشروع إلى الدعم إلى أن تصبح لديه قاعدة عملاء كافية لتمويل المشروع ذاتياً.
• هل التسويق المكثف هو الحل الأمثل للمشاريع المتعثرة أم ان المبالغة فيه قد تعجل بنهاية المشروع؟
- يعتمد ذلك على نوع المشروع، ومدى تأثر المبيعات بالحملات التسويقية، وفاعلية الأداة المستخدمة من قبل صاحب المشروع. وهنا أود الإشارة إلى نقطة يغفل عنها الكثير من رواد الأعمال، وهي ضرورة مقارنة تكلفة التسويق بالربح الناتج عن المبيعات الناتجة عن التسويق، إذ يقوم البعض بمقارنة تكلفة التسويق بالمبيعات الناتجة فقط، متجاهلين تكلفة المبيعات، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات خاطئة، فقد تكون الحملة التسويقية غير مجدية وتكلفتها أعلى من الأرباح التي حققتها، لكن بسبب المقارنة الخاطئة يُظن أنها ناجحة فيكررها صاحب المشروع مراراً.
• ما الخطأ الذي يقع فيه أصحاب المشاريع ويتكرر باستمرار رغم كل التحذيرات؟
- عدم الإلمام بالتفاصيل المالية للمشروع والاعتماد على تقديرات غالباً ما تكون خاطئة، حيث إن الكثير من أصحاب المشاريع لا يحصلون على تقارير المحاسبة المالية الصحيحة بشكل شهري، ويعتبرون ذلك أمراً ثانوياً لنجاح المشروع.
• كيف يمكن تعريف "اقتصاد المواسم" علمياً؟ وكيف يختلف أثره بين الاستدامة والربح السريع؟
- اقتصاد المواسم يعبر عن بعض الأنشطة التي تزداد مبيعاتها في موسم معين، مثل الأعياد، رمضان، دخول المدارس، موسم التزلج على الجليد، أو موسم السباحة في الصيف. كل هذه الأنشطة موسمية، وتتميز بتقلب الإيرادات بشكل كبير خلال العام، نظراً لارتباطها بموسم معين. وهنا تكمن خطورة الأمر، إذ تكون العمالة غالبًا مؤقتة، ولا يمكن للمشروع تحمل رواتب الموظفين الشهرية في المواسم التي تكون فيها المبيعات منخفضة جداً.
بعض المبادرين لديهم أكثر من مشروع بحيث يغطي كل مشروع موسماً معيناً، وبالتالي تغطي مشاريعهم المختلفة معظم أيام السنة، لكن هذا مرهق جداً من الناحية الإدارية والتنظيمية، وقد يكون مكلفاً، إذ يُعامل كل مشروع كشركة مستقلة تتحمل رسوماً حكومية مختلفة.
• هل تعاني المشاريع الصغيرة من أزمة "سيولة" أم أزمة "نموذج عمل" لا يتناسب مع تغيرات السوق الحالية؟
- كل مشروع له تحدياته، فالبعض يعاني نقصا في السيولة النقدية، بينما البعض الآخر لديه سيولة نقدية لكنه لا يمتلك خطة مالية واضحة، فيصرف بدون أولويات حتى يفاجأ بنفاد السيولة بسبب أمور كان يمكن تأجيلها أو إلغاؤها.
• متى يجب على صاحب المشروع التوقف عن ضخ الأموال وإعلان الانسحاب بدلاً من الاستمرار في الخسارة؟
- عندما تتوفر لديه قناعة بأن الأمور لن تتغير في المستقبل القريب، وأن الخسارة مستمرة كل شهر، لكنه يخشى الفشل والاعتراف بأن المشروع الذي بذل فيه الكثير من المال والوقت والجهد لن يحقق النجاح المتوقع.
وكثير من المبادرين يخشون الصدمة النفسية، وكلما مرت الأشهر وخسروا أكثر، تعلقوا بالمشروع أكثر لكي لا يصفهم أصدقاؤهم وأقاربهم بالفشل.
• لماذا يحتاج أصحاب المشاريع إلى التعامل مع شركة محاسبة متكاملة بدل الاكتفاء بتوظيف محاسب واحد فقط؟
- لأن صاحب المشروع يحتاج إلى راحة بال واستمرارية وثقة، وليس مجرد محاسب واحد، ونحن كشركة تأسست منذ عام 2010 نعمل بفريق يضم قرابة 80 محاسبًا ومديرًا ماليًا، وبالتالي العميل لا يتعامل مع شخص واحد، بل مع منظومة متكاملة تشمل رئيس فريق وعدة محاسبين وتحت إشراف مدير مالي. نخدم مختلف قطاعات المشاريع الصغيرة والمتوسطة مثل المقاهي، والنوادي الصحية، والعيادات، والصيدليات، والمقاولات، ومحال الملابس.
وبدل أن يستثمر صاحب المشروع مبالغ كبيرة لتوظيف محاسب، ومساعد، ومدير مالي، يمكنه الحصول على كل هذه الخبرات من مكان واحد وبتكلفة أقل. كما أن العمل الجماعي يقلل من الأخطاء ويضمن المراجعة المستمرة، ويمنع توقف العمل في حال الإجازات أو الخلافات أو تغيير الأفراد. الأهم أن البيانات المالية والتقارير تكون محفوظة لدى شركة موثوقة، لا مرتبطة بشخص قد يغادر أو يتعرض جهازه لعطل أو فقدان بيانات، مما يحمي صاحب المشروع من ضياع معلوماته المالية أو الدخول في مشكلات لا يعرف مصدرها.
• لماذا تؤكد دائما على ضرورة وجود نظام محاسبي منظم منذ اليوم الأول لأي مشروع، حتى في بداياته؟
- لأن إدارة المشروع دون نظام محاسبي تعني الاعتماد على الذاكرة، وهذا أمر غير واقعي.
ففي البداية قد يتذكر صاحب المشروع ما دفعه وما تسلمه، لكن بعد شهرين أو ثلاثة، ومع زيادة العمليات المالية، تبدأ الأرقام في الاختلاط. عندها لا يعرف الوضع المالي الحقيقي لمشروعه، وقد يدفع مبالغ أكبر من المستحق للموردين، أو ينسى مبالغ له لدى الآخرين. كما أن غياب النظام المحاسبي يخلق مشكلات بين الشركاء بسبب عدم وضوح الالتزامات والحقوق. ومع مرور الوقت ترتفع التكاليف وتظهر خسائر لم يكن يشعر بها، فقط لأنه لم ينظم أموره المالية منذ البداية.
• لماذا تنصح دائما بإجراء دراسة قبل شراء أي مشروع، حتى لو بدا ناجحًا من الخارج؟
- لأن شراء مشروع دون دراسة حقيقية قد يوقع المستثمر في مأزق كبير، ومن هذا المبدأ كثيرًا ما نواجه حالات نقول فيها للمشتري المحتمل صراحة هذا المشروع لا يستحق الشراء، أو أن قيمته أقل بكثير من السعر المعروض. فالدراسة المسبقة، رغم تكلفتها البسيطة، تحمي المستثمر من ضخ مبلغ كبير في استثمار غير مجدٍ، فغالبًا ما يعرض البائع بيانات جذابة مثل حجم المبيعات أو عدد الفروع، لكنه لا يكشف الجوانب السلبية كحجم الديون، وارتفاع التكاليف، أو الخسائر التشغيلية، وقد يكون المشروع يبيع بكثرة لكنه خاسر ماليًا في النهاية.
لذلك، لا يصح اتخاذ قرار استثماري بناءً على المظهر فقط أو حسن النية، بل يجب الاعتماد على دراسة مالية دقيقة، وبعدها يقرر المستثمر بوعي بأن هل يكمل في الصفقة أم يتوقف قبل فوات الأوان.
• إذا كان هناك مستثمر مستعد لضخ مبلغ كبير، مثل 100,000 دينار، فلماذا يطلب القوائم المالية؟ وماذا يجب على صاحب المشروع أن يفعل في هذه الحالة؟
- لأن المستثمر الواعي لا يضخ أمواله قبل أن يتأكد من سلامة القراءة المالية للمشروع، فالقوائم المالية هي الأداة الأساسية التي تُمكّنه من فهم الأداء الحقيقي، وليس الظاهر فقط، فالمستثمر يريد أن يعرف هل المشروع مربح فعلًا؟ ما حجم الالتزامات والديون؟ كيف تُدار التكاليف؟ وما مدى قوة النظام المالي؟ وقد واجهنا حالة مع أحد أشهر المطاعم الكويتية، وهو براند معروف وله فروع في دول الخليج، عندما تقدمت شركة استثمارية كبيرة من الإمارات للاستحواذ عليه.
عند إجراء التقييم، تبيّن ضعف النظام المالي لديهم بشكل صادم، حيث كانت المحاسبة تُدار عبر ملفات إكسل فقط.
وإكسل، رغم فائدته، ليس نظامًا محاسبيًا، والأخطاء فيه سهلة وقد تؤدي إلى ضياع البيانات، مع غياب المستندات والمرفقات وعدم وضوح التفاصيل المالية. المؤسف أن هذا المطعم يحقق مبيعات تتجاوز المليون، ومع ذلك لم يستثمر في نظام محاسبي قوي أو في كوادر محاسبية مؤهلة، مما كلفه صفقة استثمارية كبيرة.
لذلك، الذي يريد جذب مستثمر حقيقي عليه أولًا أن يبني نظامًا ماليًا موثوقًا يعكس واقع المشروع بدقة وشفافية.
• إذا كانت مبيعات المشروع مرتفعة، ولنفترض 500,000 دينار كويتي، فهل يعني ذلك بالضرورة أن المشروع يحقق أرباحًا؟
- ليس بالضرورة، فارتفاع المبيعات لا يعني تلقائيًا تحقيق الربح، حيث إنه في بعض الحالات يبيع المشروع بكميات كبيرة لكنه مسعّر بشكل خاطئ، فتكون التكلفة الكلية للمنتج أعلى من سعر البيع، وكلما زادت المبيعات زادت الخسائر.
وقد رأينا مشاريع تبيع المنتج بسعر أقل من تكلفته، فيبدو صاحبها سعيدًا بحجم البيع، بينما هو في الواقع يخسر مع كل عملية بيع.
وهناك جانب آخر لا يقل خطورة، وهو ارتفاع التكاليف التشغيلية مثل الإيجارات، ورواتب الموظفين، والمصاريف الإدارية، التي تلتهم مجمل الربح حتى لو كان سعر البيع أعلى من تكلفة المنتج. وقد مرّت علينا حالات لعلامات تجارية معروفة في القطاع الغذائي، تحقق مبيعات سنوية تتجاوز المليون دينار ، ورغم انتشارها وقوة اسمها في السوق، فإنها تسجل خسائر سنوية بسبب ضعف الإدارة وغياب الرقابة المالية، لذلك، المعيار الحقيقي لنجاح المشروع ليس حجم المبيعات، بل قدرته على تحقيق ربح فعلي ومستدام.
• كثيراً ما يُقال إن الإيجارات ورواتب الموظفين من أكثر البنود إزعاجاً لأصحاب المشاريع... فما الفرق بين التكاليف الثابتة والتكاليف المتغيرة؟ ولماذا يُعد هذا الفرق مهمًا؟
التكاليف تنقسم إلى نوعين: تكاليف ثابتة وتكاليف متغيرة، فالتكاليف المتغيرة ترتبط مباشرة بحجم المبيعات، فكلما زاد البيع زادت هذه التكاليف، وكلما انخفض البيع انخفضت. على سبيل المثال، إذا كان المنتج يكلف دينارًا واحدًا وتم بيع 20,000 وحدة، فإن التكلفة المتغيرة الإجمالية تكون 20,000 دينار، وإذا لم يتم البيع فلن توجد تكلفة متغيرة.
أما التكاليف الثابتة فهي لا تتغير بتغير حجم المبيعات، سواء بعت كثيرًا أو قليلًا، مثل الإيجارات ورواتب الموظفين، فهي مستحقة في جميع الأحوال.
تكمن أهمية هذا التفريق في أن التكاليف الثابتة قد تشكل عبئًا كبيرًا على المشروع إذا لم تُدار بشكل صحيح، لأنها تستمر حتى في فترات ضعف المبيعات، مما يجعل فهم هيكل التكاليف أمرًا أساسيًا لتحقيق الاستدامة والربحية.
• كيف يستطيع صاحب المشروع اكتشاف الأخطاء المالية مبكرًا قبل أن تتفاقم وتتحول إلى مشكلة كبيرة؟ وهل هناك تقارير معينة تساعده على ذلك؟
- اكتشاف الأخطاء المالية يبدأ بالالتزام بمراجعة التقارير المالية بشكل دوري، ويفضّل أن تكون شهرية. للأسف، بعض أصحاب المشاريع لا يراجعون حساباتهم إلا مرة واحدة في السنة، وعندها تكون المستندات قديمة، وبعض الفواتير مفقودة، فتظهر أرقام غير دقيقة، وتكون الأخطاء قد تضخمت وأصبحت صعبة التصحيح. التقارير الشهرية الدقيقة، عند مناقشتها مع فريق المحاسبة المسؤول عن المشروع، تمكّن صاحب المشروع من فهم الأداء المالي الحقيقي، وتحديد مواقع الخلل مبكرًا، سواء في التسعير، أو التكاليف، أو التدفقات النقدية. كما تساعده على تقييم القرارات التي اتخذها سابقًا ومعرفة آثارها المالية، هل كانت إيجابية أم سلبية، وبالتالي تصحيح المسار في الوقت المناسب قبل أن تتراكم الخسائر.
• قد تكون المبيعات ممتازة، لكن المشروع يعاني ضعفا في التحصيل وعدم توفر السيولة النقدية، كيف يمكن لصاحب المشروع فهم هذه المشكلة وتشخيصها بشكل صحيح؟
- عندما تكون المبيعات مرتفعة لكن السيولة ضعيفة، فهذه إشارة واضحة إلى خلل في التدفقات النقدية، وهنا تأتي أهمية قائمة التدفقات النقدية، فهي التقرير الذي يوضح بشكل دقيق كل ما دخل من نقد وكل ما خرج من الشركة خلال فترة معينة، وهذه القائمة تُظهر التدفقات التشغيلية مثل الإيجارات، ورواتب الموظفين، وتكلفة البضاعة، كما تُبيّن التدفقات التمويلية كالقروض وسداد الديون، والتدفقات الاستثمارية مثل تجهيز الموقع أو شراء المعدات.
من خلالها يمكن معرفة رصيد البنك في بداية الفترة ونهايتها، والأهم فهم سبب الزيادة أو النقصان، فزيادة الرصيد لا تعني دائمًا تحسنًا صحيًا، فقد تكون ناتجة عن تأخير سداد الموردين أو الحصول على قرض، وهي زيادات مؤقتة وخطيرة.
في المقابل، عدم دفع الموردين يؤدي إلى توقف التوريد وتعطّل النشاط، لذلك، فهم مصدر السيولة واستخداماتها هو الأساس، وليس مجرد النظر إلى رقم الرصيد البنكي، حتى لا يقع صاحب المشروع في أزمة مفاجئة رغم قوة المبيعات.
• كثير من أصحاب المشاريع في بداياتهم لا يفرقون بين مفهومي الدائن والمدين فما الفرق بينهما؟ ولماذا يُعد فهمهما أمرًا مهمًا؟
- أود التوضيح أن الدائن هو الشخص أو الجهة التي تطالب المشروع بمبالغ مستحقة، ويُدرج ضمن الالتزامات، مثل الموردين أو الجهات التي يجب سدادها، أما المدين فهو المبالغ المستحقة للمشروع لدى الآخرين، أي الأموال الموجودة خارج الشركة عند العملاء الذين تم البيع لهم بالآجل. فهم هذا الفرق ضروري لإدارة السيولة بشكل صحيح، لأن كثرة المبيعات الآجلة دون تحصيل فعلي قد تُظهر أرقامًا جيدة على الورق، لكنها لا توفر نقدًا حقيقيًا. لذلك، لا يُنصح بالبيع على الحساب إلا بعد التأكد من قدرة العميل أو الجهة المقابلة على السداد، حتى لا تتراكم الذمم المدينة وتتحول إلى عبء مالي يضغط على المشروع ويعطّل التزاماته.
• لماذا يجب على صاحب المشروع حساب تكلفة الموظفين الحقيقية وليس مجرد الرواتب الأساسية؟ وما الفائدة من ذلك؟
- العديد من أصحاب المشاريع يحسبون تكلفة الموظف بشكل خاطئ، فيكتفون بالراتب الشهري فقط، بينما الواقع مختلف. وفقًا لقانون العمل، هناك عناصر إضافية يجب أخذها في الاعتبار مثل الإجازات السنوية ونهاية الخدمة، والتي تزيد التكلفة الفعلية للموظف بحوالي 15% تقريبًا. فمثلاً، إذا كان راتب الموظف 2,000 دينار، فإن التكلفة الحقيقية له تصل إلى نحو 2,300 دينار شهريًا.
المحاسبة الصحيحة تتطلب تسجيل هذه المستحقات بشكل شهري، وليس انتظار نهاية الخدمة، حتى يكون لدى صاحب المشروع صورة دقيقة لتكلفته التشغيلية الحقيقية. معرفة تكلفة الموظفين بدقة تساعد على تقييم ربحية المشروع شهريًا، وتجنب المفاجآت المالية، وينصح بأن يكون هناك حساب بنكي مخصص لمستحقات الموظفين يُحول إليه كل شهر مبلغ الإجازات ونهاية الخدمة لضمان إدارة سليمة وشفافية مالية.
• من المسؤول قانونياً عن صحة القوائم المالية في الشركة ذات المسؤولية المحدودة؟ ولماذا تحذرون المدير العام من التوقيع على أرقام غير دقيقة؟
- في الشركات ذات المسؤولية المحدودة، يتحمل المدير العام المسؤولية القانونية المباشرة عن صحة القوائم المالية، وهو الشخص الذي يوقّع على الميزانية ويقر بصحتها، لذلك أنصح كل مدير عام بألا يوقّع على أي قوائم مالية ما لم يكن متأكدًا تمامًا من دقتها، فالتوقيع على أرقام غير صحيحة قد يعرّضه لمساءلة قانونية جسيمة، سواء في حال ظهور مخالفات لاحقًا أو عند حدوث نزاع بين الشركاء. فقد تُظهر القوائم أن الشركة حققت أرباحًا كبيرة، بينما الواقع أنها خاسرة، وحينها قد يطالب الشركاء بحصصهم من أرباح غير حقيقية استنادًا إلى ميزانية موقّعة رسميًا. في هذه الحالة، يكون المدير العام أمام اتهام بالتزوير أو ملزمًا بتحمل مبالغ ضخمة نتيجة توقيعه. لذلك، التوقيع على القوائم المالية ليس إجراءً شكليًا، بل مسؤولية قانونية كبيرة تتطلب تدقيقًا ووعيًا كاملين قبل الإقرار بأي أرقام.
• يُقال كثيراً "وقف الخسارة، ربح"، فما معنى هذا المثل بالنسبة للمشاريع؟ ولماذا يعتبره البعض مهماً؟
- المثل يعني أن صاحب المشروع يجب أن يكون قادراً على اتخاذ قرار واقعي بعيداً عن العواطف عند مواجهة مشروع خاسر.
كثير من المبادرين يتحركون بالعاطفة، ويستمرون في ضخ الأموال والجهد رغم أن المشروع غير مربح، يقولون: "لقد صرفت الكثير وسهرت وطوّرت المشروع، لن أتركه الآن". لكن المنطق يقول: إذا أظهرت المؤشرات أن المشروع بلا أمل، وأن الظروف غير مواتية لتحقيق ربح، فمن الحكمة إيقافه قبل أن تتفاقم الخسائر، فالاستمرار فقط بدافع العاطفة قد يؤدي إلى خسائر أكبر، بينما اتخاذ قرار إغلاق المشروع وإعادة توجيه الموارد لمشروع آخر أكثر جدوى يعكس ذكاء ماليا وإداريا. المهم هو وضع خط فاصل واضح، ومعرفة متى يكون الأفضل التوقف والانتقال إلى فرصة جديدة بدلًا من التمسك بما هو خاسر بلا أمل.
• هل كل مبلغ تصرفه الشركة يُعتبر مصروفًا محاسبيًا؟ وما الفرق بين المصروف والأصل الثابت في هذا السياق؟
- ليس كل مبلغ يُصرف يُعد مصروفًا محاسبيًا، فالمصروفات هي الأموال التي تُصرف لتوليد إيرادات مباشرة للشركة.
على سبيل المثال، دفع رواتب الموظفين يعتبر مصروفًا لأن الموظفين يؤدون أعمالًا تولد إيرادات، ودفع الإيجار أو مصاريف الصيانة يساهم أيضًا في تمكين الشركة من العمل وتحقيق الدخل.
أما عند شراء أصول ثابتة مثل السيارات أو المعدات، فهذه ليست مصروفًا مباشرًا، بل تُسجَّل كأصل في الميزانية، لأن لها قيمة يمكن بيعها مستقبلاً. فقط الاستهلاك الشهري للأصل يُعتبر مصروفًا، حيث يُقسَّم تكلفة الأصل على فترة استخدامه. كذلك، شراء البضاعة بغرض البيع لا يُعد مصروفًا عند الشراء، بل يُسجَّل كأصل (مخزون)، ويصبح مصروفًا محاسبيًا عند بيعها.
باختصار، المصروف مرتبط بتحقيق الإيرادات، بينما الأصول تمثل قيمة للشركة يمكن الاستفادة منها على مدى الزمن، وليس كل مبلغ يُصرف يُحسب مصروفًا.
- لا أعتقد ذلك، حيث إن المبيعات العالية خلال فترة قصيرة غالباً لا تغطي المصروفات التشغيلية السنوية. صحيح أن شهر رمضان المبارك يعد موسماً لكثير من الأنشطة مثل الحلويات والأثاث، لكن الكثير من الأنشطة تقل إيراداتها خلال هذا الشهر مثل دور السينما ومطاعم الأسماك وغيرها.
الشريك ومدير شركة بنش للاستشارات الإدارية والاقتصادية، المستشار المالي عبدالقادر الإبراهيم
• ما الأسباب الجوهرية التي تؤدي إلى تسارع وتيرة فشل المشاريع الناشئة في السوق الكويتي مؤخرًا؟
- الأسباب كثيرة، منها قلة الخبرة الإدارية لدى بعض أصحاب المشاريع، وعدم توافر رأسمال يكفي لتغطية المصروفات عند عدم كفاية المبيعات النقدية، خصوصا في السنوات الأولى للمشروع، والتي يحتاج فيها المشروع إلى الدعم إلى أن تصبح لديه قاعدة عملاء كافية لتمويل المشروع ذاتياً.
• هل التسويق المكثف هو الحل الأمثل للمشاريع المتعثرة أم ان المبالغة فيه قد تعجل بنهاية المشروع؟
- يعتمد ذلك على نوع المشروع، ومدى تأثر المبيعات بالحملات التسويقية، وفاعلية الأداة المستخدمة من قبل صاحب المشروع. وهنا أود الإشارة إلى نقطة يغفل عنها الكثير من رواد الأعمال، وهي ضرورة مقارنة تكلفة التسويق بالربح الناتج عن المبيعات الناتجة عن التسويق، إذ يقوم البعض بمقارنة تكلفة التسويق بالمبيعات الناتجة فقط، متجاهلين تكلفة المبيعات، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات خاطئة، فقد تكون الحملة التسويقية غير مجدية وتكلفتها أعلى من الأرباح التي حققتها، لكن بسبب المقارنة الخاطئة يُظن أنها ناجحة فيكررها صاحب المشروع مراراً.
• ما الخطأ الذي يقع فيه أصحاب المشاريع ويتكرر باستمرار رغم كل التحذيرات؟
- عدم الإلمام بالتفاصيل المالية للمشروع والاعتماد على تقديرات غالباً ما تكون خاطئة، حيث إن الكثير من أصحاب المشاريع لا يحصلون على تقارير المحاسبة المالية الصحيحة بشكل شهري، ويعتبرون ذلك أمراً ثانوياً لنجاح المشروع.
• كيف يمكن تعريف "اقتصاد المواسم" علمياً؟ وكيف يختلف أثره بين الاستدامة والربح السريع؟
- اقتصاد المواسم يعبر عن بعض الأنشطة التي تزداد مبيعاتها في موسم معين، مثل الأعياد، رمضان، دخول المدارس، موسم التزلج على الجليد، أو موسم السباحة في الصيف. كل هذه الأنشطة موسمية، وتتميز بتقلب الإيرادات بشكل كبير خلال العام، نظراً لارتباطها بموسم معين. وهنا تكمن خطورة الأمر، إذ تكون العمالة غالبًا مؤقتة، ولا يمكن للمشروع تحمل رواتب الموظفين الشهرية في المواسم التي تكون فيها المبيعات منخفضة جداً.
بعض المبادرين لديهم أكثر من مشروع بحيث يغطي كل مشروع موسماً معيناً، وبالتالي تغطي مشاريعهم المختلفة معظم أيام السنة، لكن هذا مرهق جداً من الناحية الإدارية والتنظيمية، وقد يكون مكلفاً، إذ يُعامل كل مشروع كشركة مستقلة تتحمل رسوماً حكومية مختلفة.
• هل تعاني المشاريع الصغيرة من أزمة "سيولة" أم أزمة "نموذج عمل" لا يتناسب مع تغيرات السوق الحالية؟
- كل مشروع له تحدياته، فالبعض يعاني نقصا في السيولة النقدية، بينما البعض الآخر لديه سيولة نقدية لكنه لا يمتلك خطة مالية واضحة، فيصرف بدون أولويات حتى يفاجأ بنفاد السيولة بسبب أمور كان يمكن تأجيلها أو إلغاؤها.
• متى يجب على صاحب المشروع التوقف عن ضخ الأموال وإعلان الانسحاب بدلاً من الاستمرار في الخسارة؟
- عندما تتوفر لديه قناعة بأن الأمور لن تتغير في المستقبل القريب، وأن الخسارة مستمرة كل شهر، لكنه يخشى الفشل والاعتراف بأن المشروع الذي بذل فيه الكثير من المال والوقت والجهد لن يحقق النجاح المتوقع.
وكثير من المبادرين يخشون الصدمة النفسية، وكلما مرت الأشهر وخسروا أكثر، تعلقوا بالمشروع أكثر لكي لا يصفهم أصدقاؤهم وأقاربهم بالفشل.
• لماذا يحتاج أصحاب المشاريع إلى التعامل مع شركة محاسبة متكاملة بدل الاكتفاء بتوظيف محاسب واحد فقط؟
- لأن صاحب المشروع يحتاج إلى راحة بال واستمرارية وثقة، وليس مجرد محاسب واحد، ونحن كشركة تأسست منذ عام 2010 نعمل بفريق يضم قرابة 80 محاسبًا ومديرًا ماليًا، وبالتالي العميل لا يتعامل مع شخص واحد، بل مع منظومة متكاملة تشمل رئيس فريق وعدة محاسبين وتحت إشراف مدير مالي. نخدم مختلف قطاعات المشاريع الصغيرة والمتوسطة مثل المقاهي، والنوادي الصحية، والعيادات، والصيدليات، والمقاولات، ومحال الملابس.
وبدل أن يستثمر صاحب المشروع مبالغ كبيرة لتوظيف محاسب، ومساعد، ومدير مالي، يمكنه الحصول على كل هذه الخبرات من مكان واحد وبتكلفة أقل. كما أن العمل الجماعي يقلل من الأخطاء ويضمن المراجعة المستمرة، ويمنع توقف العمل في حال الإجازات أو الخلافات أو تغيير الأفراد. الأهم أن البيانات المالية والتقارير تكون محفوظة لدى شركة موثوقة، لا مرتبطة بشخص قد يغادر أو يتعرض جهازه لعطل أو فقدان بيانات، مما يحمي صاحب المشروع من ضياع معلوماته المالية أو الدخول في مشكلات لا يعرف مصدرها.
• لماذا تؤكد دائما على ضرورة وجود نظام محاسبي منظم منذ اليوم الأول لأي مشروع، حتى في بداياته؟
- لأن إدارة المشروع دون نظام محاسبي تعني الاعتماد على الذاكرة، وهذا أمر غير واقعي.
ففي البداية قد يتذكر صاحب المشروع ما دفعه وما تسلمه، لكن بعد شهرين أو ثلاثة، ومع زيادة العمليات المالية، تبدأ الأرقام في الاختلاط. عندها لا يعرف الوضع المالي الحقيقي لمشروعه، وقد يدفع مبالغ أكبر من المستحق للموردين، أو ينسى مبالغ له لدى الآخرين. كما أن غياب النظام المحاسبي يخلق مشكلات بين الشركاء بسبب عدم وضوح الالتزامات والحقوق. ومع مرور الوقت ترتفع التكاليف وتظهر خسائر لم يكن يشعر بها، فقط لأنه لم ينظم أموره المالية منذ البداية.
• لماذا تنصح دائما بإجراء دراسة قبل شراء أي مشروع، حتى لو بدا ناجحًا من الخارج؟
- لأن شراء مشروع دون دراسة حقيقية قد يوقع المستثمر في مأزق كبير، ومن هذا المبدأ كثيرًا ما نواجه حالات نقول فيها للمشتري المحتمل صراحة هذا المشروع لا يستحق الشراء، أو أن قيمته أقل بكثير من السعر المعروض. فالدراسة المسبقة، رغم تكلفتها البسيطة، تحمي المستثمر من ضخ مبلغ كبير في استثمار غير مجدٍ، فغالبًا ما يعرض البائع بيانات جذابة مثل حجم المبيعات أو عدد الفروع، لكنه لا يكشف الجوانب السلبية كحجم الديون، وارتفاع التكاليف، أو الخسائر التشغيلية، وقد يكون المشروع يبيع بكثرة لكنه خاسر ماليًا في النهاية.
لذلك، لا يصح اتخاذ قرار استثماري بناءً على المظهر فقط أو حسن النية، بل يجب الاعتماد على دراسة مالية دقيقة، وبعدها يقرر المستثمر بوعي بأن هل يكمل في الصفقة أم يتوقف قبل فوات الأوان.
• إذا كان هناك مستثمر مستعد لضخ مبلغ كبير، مثل 100,000 دينار، فلماذا يطلب القوائم المالية؟ وماذا يجب على صاحب المشروع أن يفعل في هذه الحالة؟
- لأن المستثمر الواعي لا يضخ أمواله قبل أن يتأكد من سلامة القراءة المالية للمشروع، فالقوائم المالية هي الأداة الأساسية التي تُمكّنه من فهم الأداء الحقيقي، وليس الظاهر فقط، فالمستثمر يريد أن يعرف هل المشروع مربح فعلًا؟ ما حجم الالتزامات والديون؟ كيف تُدار التكاليف؟ وما مدى قوة النظام المالي؟ وقد واجهنا حالة مع أحد أشهر المطاعم الكويتية، وهو براند معروف وله فروع في دول الخليج، عندما تقدمت شركة استثمارية كبيرة من الإمارات للاستحواذ عليه.
عند إجراء التقييم، تبيّن ضعف النظام المالي لديهم بشكل صادم، حيث كانت المحاسبة تُدار عبر ملفات إكسل فقط.
وإكسل، رغم فائدته، ليس نظامًا محاسبيًا، والأخطاء فيه سهلة وقد تؤدي إلى ضياع البيانات، مع غياب المستندات والمرفقات وعدم وضوح التفاصيل المالية. المؤسف أن هذا المطعم يحقق مبيعات تتجاوز المليون، ومع ذلك لم يستثمر في نظام محاسبي قوي أو في كوادر محاسبية مؤهلة، مما كلفه صفقة استثمارية كبيرة.
لذلك، الذي يريد جذب مستثمر حقيقي عليه أولًا أن يبني نظامًا ماليًا موثوقًا يعكس واقع المشروع بدقة وشفافية.
• إذا كانت مبيعات المشروع مرتفعة، ولنفترض 500,000 دينار كويتي، فهل يعني ذلك بالضرورة أن المشروع يحقق أرباحًا؟
- ليس بالضرورة، فارتفاع المبيعات لا يعني تلقائيًا تحقيق الربح، حيث إنه في بعض الحالات يبيع المشروع بكميات كبيرة لكنه مسعّر بشكل خاطئ، فتكون التكلفة الكلية للمنتج أعلى من سعر البيع، وكلما زادت المبيعات زادت الخسائر.
وقد رأينا مشاريع تبيع المنتج بسعر أقل من تكلفته، فيبدو صاحبها سعيدًا بحجم البيع، بينما هو في الواقع يخسر مع كل عملية بيع.
وهناك جانب آخر لا يقل خطورة، وهو ارتفاع التكاليف التشغيلية مثل الإيجارات، ورواتب الموظفين، والمصاريف الإدارية، التي تلتهم مجمل الربح حتى لو كان سعر البيع أعلى من تكلفة المنتج. وقد مرّت علينا حالات لعلامات تجارية معروفة في القطاع الغذائي، تحقق مبيعات سنوية تتجاوز المليون دينار ، ورغم انتشارها وقوة اسمها في السوق، فإنها تسجل خسائر سنوية بسبب ضعف الإدارة وغياب الرقابة المالية، لذلك، المعيار الحقيقي لنجاح المشروع ليس حجم المبيعات، بل قدرته على تحقيق ربح فعلي ومستدام.
• كثيراً ما يُقال إن الإيجارات ورواتب الموظفين من أكثر البنود إزعاجاً لأصحاب المشاريع... فما الفرق بين التكاليف الثابتة والتكاليف المتغيرة؟ ولماذا يُعد هذا الفرق مهمًا؟
التكاليف تنقسم إلى نوعين: تكاليف ثابتة وتكاليف متغيرة، فالتكاليف المتغيرة ترتبط مباشرة بحجم المبيعات، فكلما زاد البيع زادت هذه التكاليف، وكلما انخفض البيع انخفضت. على سبيل المثال، إذا كان المنتج يكلف دينارًا واحدًا وتم بيع 20,000 وحدة، فإن التكلفة المتغيرة الإجمالية تكون 20,000 دينار، وإذا لم يتم البيع فلن توجد تكلفة متغيرة.
أما التكاليف الثابتة فهي لا تتغير بتغير حجم المبيعات، سواء بعت كثيرًا أو قليلًا، مثل الإيجارات ورواتب الموظفين، فهي مستحقة في جميع الأحوال.
تكمن أهمية هذا التفريق في أن التكاليف الثابتة قد تشكل عبئًا كبيرًا على المشروع إذا لم تُدار بشكل صحيح، لأنها تستمر حتى في فترات ضعف المبيعات، مما يجعل فهم هيكل التكاليف أمرًا أساسيًا لتحقيق الاستدامة والربحية.
• كيف يستطيع صاحب المشروع اكتشاف الأخطاء المالية مبكرًا قبل أن تتفاقم وتتحول إلى مشكلة كبيرة؟ وهل هناك تقارير معينة تساعده على ذلك؟
- اكتشاف الأخطاء المالية يبدأ بالالتزام بمراجعة التقارير المالية بشكل دوري، ويفضّل أن تكون شهرية. للأسف، بعض أصحاب المشاريع لا يراجعون حساباتهم إلا مرة واحدة في السنة، وعندها تكون المستندات قديمة، وبعض الفواتير مفقودة، فتظهر أرقام غير دقيقة، وتكون الأخطاء قد تضخمت وأصبحت صعبة التصحيح. التقارير الشهرية الدقيقة، عند مناقشتها مع فريق المحاسبة المسؤول عن المشروع، تمكّن صاحب المشروع من فهم الأداء المالي الحقيقي، وتحديد مواقع الخلل مبكرًا، سواء في التسعير، أو التكاليف، أو التدفقات النقدية. كما تساعده على تقييم القرارات التي اتخذها سابقًا ومعرفة آثارها المالية، هل كانت إيجابية أم سلبية، وبالتالي تصحيح المسار في الوقت المناسب قبل أن تتراكم الخسائر.
• قد تكون المبيعات ممتازة، لكن المشروع يعاني ضعفا في التحصيل وعدم توفر السيولة النقدية، كيف يمكن لصاحب المشروع فهم هذه المشكلة وتشخيصها بشكل صحيح؟
- عندما تكون المبيعات مرتفعة لكن السيولة ضعيفة، فهذه إشارة واضحة إلى خلل في التدفقات النقدية، وهنا تأتي أهمية قائمة التدفقات النقدية، فهي التقرير الذي يوضح بشكل دقيق كل ما دخل من نقد وكل ما خرج من الشركة خلال فترة معينة، وهذه القائمة تُظهر التدفقات التشغيلية مثل الإيجارات، ورواتب الموظفين، وتكلفة البضاعة، كما تُبيّن التدفقات التمويلية كالقروض وسداد الديون، والتدفقات الاستثمارية مثل تجهيز الموقع أو شراء المعدات.
من خلالها يمكن معرفة رصيد البنك في بداية الفترة ونهايتها، والأهم فهم سبب الزيادة أو النقصان، فزيادة الرصيد لا تعني دائمًا تحسنًا صحيًا، فقد تكون ناتجة عن تأخير سداد الموردين أو الحصول على قرض، وهي زيادات مؤقتة وخطيرة.
في المقابل، عدم دفع الموردين يؤدي إلى توقف التوريد وتعطّل النشاط، لذلك، فهم مصدر السيولة واستخداماتها هو الأساس، وليس مجرد النظر إلى رقم الرصيد البنكي، حتى لا يقع صاحب المشروع في أزمة مفاجئة رغم قوة المبيعات.
• كثير من أصحاب المشاريع في بداياتهم لا يفرقون بين مفهومي الدائن والمدين فما الفرق بينهما؟ ولماذا يُعد فهمهما أمرًا مهمًا؟
- أود التوضيح أن الدائن هو الشخص أو الجهة التي تطالب المشروع بمبالغ مستحقة، ويُدرج ضمن الالتزامات، مثل الموردين أو الجهات التي يجب سدادها، أما المدين فهو المبالغ المستحقة للمشروع لدى الآخرين، أي الأموال الموجودة خارج الشركة عند العملاء الذين تم البيع لهم بالآجل. فهم هذا الفرق ضروري لإدارة السيولة بشكل صحيح، لأن كثرة المبيعات الآجلة دون تحصيل فعلي قد تُظهر أرقامًا جيدة على الورق، لكنها لا توفر نقدًا حقيقيًا. لذلك، لا يُنصح بالبيع على الحساب إلا بعد التأكد من قدرة العميل أو الجهة المقابلة على السداد، حتى لا تتراكم الذمم المدينة وتتحول إلى عبء مالي يضغط على المشروع ويعطّل التزاماته.
• لماذا يجب على صاحب المشروع حساب تكلفة الموظفين الحقيقية وليس مجرد الرواتب الأساسية؟ وما الفائدة من ذلك؟
- العديد من أصحاب المشاريع يحسبون تكلفة الموظف بشكل خاطئ، فيكتفون بالراتب الشهري فقط، بينما الواقع مختلف. وفقًا لقانون العمل، هناك عناصر إضافية يجب أخذها في الاعتبار مثل الإجازات السنوية ونهاية الخدمة، والتي تزيد التكلفة الفعلية للموظف بحوالي 15% تقريبًا. فمثلاً، إذا كان راتب الموظف 2,000 دينار، فإن التكلفة الحقيقية له تصل إلى نحو 2,300 دينار شهريًا.
المحاسبة الصحيحة تتطلب تسجيل هذه المستحقات بشكل شهري، وليس انتظار نهاية الخدمة، حتى يكون لدى صاحب المشروع صورة دقيقة لتكلفته التشغيلية الحقيقية. معرفة تكلفة الموظفين بدقة تساعد على تقييم ربحية المشروع شهريًا، وتجنب المفاجآت المالية، وينصح بأن يكون هناك حساب بنكي مخصص لمستحقات الموظفين يُحول إليه كل شهر مبلغ الإجازات ونهاية الخدمة لضمان إدارة سليمة وشفافية مالية.
• من المسؤول قانونياً عن صحة القوائم المالية في الشركة ذات المسؤولية المحدودة؟ ولماذا تحذرون المدير العام من التوقيع على أرقام غير دقيقة؟
- في الشركات ذات المسؤولية المحدودة، يتحمل المدير العام المسؤولية القانونية المباشرة عن صحة القوائم المالية، وهو الشخص الذي يوقّع على الميزانية ويقر بصحتها، لذلك أنصح كل مدير عام بألا يوقّع على أي قوائم مالية ما لم يكن متأكدًا تمامًا من دقتها، فالتوقيع على أرقام غير صحيحة قد يعرّضه لمساءلة قانونية جسيمة، سواء في حال ظهور مخالفات لاحقًا أو عند حدوث نزاع بين الشركاء. فقد تُظهر القوائم أن الشركة حققت أرباحًا كبيرة، بينما الواقع أنها خاسرة، وحينها قد يطالب الشركاء بحصصهم من أرباح غير حقيقية استنادًا إلى ميزانية موقّعة رسميًا. في هذه الحالة، يكون المدير العام أمام اتهام بالتزوير أو ملزمًا بتحمل مبالغ ضخمة نتيجة توقيعه. لذلك، التوقيع على القوائم المالية ليس إجراءً شكليًا، بل مسؤولية قانونية كبيرة تتطلب تدقيقًا ووعيًا كاملين قبل الإقرار بأي أرقام.
• يُقال كثيراً "وقف الخسارة، ربح"، فما معنى هذا المثل بالنسبة للمشاريع؟ ولماذا يعتبره البعض مهماً؟
- المثل يعني أن صاحب المشروع يجب أن يكون قادراً على اتخاذ قرار واقعي بعيداً عن العواطف عند مواجهة مشروع خاسر.
كثير من المبادرين يتحركون بالعاطفة، ويستمرون في ضخ الأموال والجهد رغم أن المشروع غير مربح، يقولون: "لقد صرفت الكثير وسهرت وطوّرت المشروع، لن أتركه الآن". لكن المنطق يقول: إذا أظهرت المؤشرات أن المشروع بلا أمل، وأن الظروف غير مواتية لتحقيق ربح، فمن الحكمة إيقافه قبل أن تتفاقم الخسائر، فالاستمرار فقط بدافع العاطفة قد يؤدي إلى خسائر أكبر، بينما اتخاذ قرار إغلاق المشروع وإعادة توجيه الموارد لمشروع آخر أكثر جدوى يعكس ذكاء ماليا وإداريا. المهم هو وضع خط فاصل واضح، ومعرفة متى يكون الأفضل التوقف والانتقال إلى فرصة جديدة بدلًا من التمسك بما هو خاسر بلا أمل.
• هل كل مبلغ تصرفه الشركة يُعتبر مصروفًا محاسبيًا؟ وما الفرق بين المصروف والأصل الثابت في هذا السياق؟
- ليس كل مبلغ يُصرف يُعد مصروفًا محاسبيًا، فالمصروفات هي الأموال التي تُصرف لتوليد إيرادات مباشرة للشركة.
على سبيل المثال، دفع رواتب الموظفين يعتبر مصروفًا لأن الموظفين يؤدون أعمالًا تولد إيرادات، ودفع الإيجار أو مصاريف الصيانة يساهم أيضًا في تمكين الشركة من العمل وتحقيق الدخل.
أما عند شراء أصول ثابتة مثل السيارات أو المعدات، فهذه ليست مصروفًا مباشرًا، بل تُسجَّل كأصل في الميزانية، لأن لها قيمة يمكن بيعها مستقبلاً. فقط الاستهلاك الشهري للأصل يُعتبر مصروفًا، حيث يُقسَّم تكلفة الأصل على فترة استخدامه. كذلك، شراء البضاعة بغرض البيع لا يُعد مصروفًا عند الشراء، بل يُسجَّل كأصل (مخزون)، ويصبح مصروفًا محاسبيًا عند بيعها.
باختصار، المصروف مرتبط بتحقيق الإيرادات، بينما الأصول تمثل قيمة للشركة يمكن الاستفادة منها على مدى الزمن، وليس كل مبلغ يُصرف يُحسب مصروفًا.