اقتصاد المناسبات... ضرورة تجاوز مفهوم اللقطة التذكارية

تزامن الاحتفالات الوطنية مع شهر رمضان فرصة لتنشيط القطاعات الاقتصادية وتحدّ لـ«تهذيب الاستهلاك»

نشر في 02-02-2026
آخر تحديث 02-02-2026 | 09:36

أسرع ما قد يتبادر إلى ذهن المراقبين وخبراء الاقتصاد، بمجرد الشعور بالزلزال السياسي والاقتصادي الذي أحدثه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعلانه «اعتقال» نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو، هو تأثير هذا الحدث الخطير وارتداداته على أداء الأسواق، وتحديداً أسعار النفط والمعادن.

إلا أن ارتدادات الزلزال الأولية والمباشرة، كانت أبعد بكثير عن أذهان المراقبين والخبراء، إذ شهدت مجموعة الملابس الرياضية Nike Tec Fleece انتعاشاً غير مسبوق في الطلب، بعد تداول واسع لصورة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وهو يرتدي إحدى بدلات العلامة، في مشهد لفت أنظار متابعي منصات التواصل الاجتماعي حول العالم.

تظهر الصورة، التي انتشرت بعد نشرها على منصة تروث سوشيال، مادورو معصوب العينين ومكبّل اليدين على متن السفينة الأميركية يو إس إس إيوو جيما في طريقه إلى نيويورك، ما جعل الزي الذي كان يرتديه محور اهتمام واسع وفوري.

وأظهرت بيانات البحث الرقمي ارتفاعاً كبيراً في الاهتمام بمنتجات الشركة خلال ساعات قليلة، وفق مؤشرات Google Trends التي نقلتها “livemint”، ما يعكس تأثير الحدث في دفع المستهلكين للبحث والشراء.

وأكد مسؤول بأحد متاجر نايكي أن حجم المبيعات قفز بشكل ملحوظ مباشرة بعد انتشار الصورة، مشيراً إلى أن بعض الفروع سجلت ارتفاعاً في الطلب تجاوز 300%، لا سيما على البدلات والسترات الكاملة، مع تفضيل الزبائن للقطع الداكنة المشابهة لتلك التي ظهر بها مادورو.

في ذلك، يشير خبراء التسويق إلى أن الربط غير المقصود بين علامة تجارية وشخصية سياسية مثيرة للجدل غالباً ما يخلق موجات مفاجئة من الإقبال الاستهلاكي، خصوصاً عندما تكون اللحظة ذات طابع رمزي أو استثنائي، وبما يؤكد الدور المهم لوسائل التسويق في تحويل الوقائع السياسية إلى محفزات اقتصادية فورية، حيث تحولت قطعة ملابس رياضية في وقت وجيز إلى رمز جاذب لفئات جديدة من المستهلكين خارج دائرة الزبائن التقليديين للعلامة.

هنا، ورغم توافر عنصر المصادفة، يمكن القول إن Nike تجاوزت مفهوم اللقطة التذكارية، فهي درست الأثر الاقتصادي والمالي للحدث، ومن ثم، استفادت منه، بما يمكن اعتباره نموذجاً مؤسسياً لما يسمى باقتصاد المناسبات الذي يتضمن الإنفاق على الحدث وتأثيره على الأسر والأسواق، ويشمل الاستفادة منه كفرصة لتعزيز المبيعات في الحالة المؤسسية، أو أنشطة تجارية معينة في حالة اقتصاد الدولة.

واصطلاحاً، إذا خلص مفهوم اقتصاد المناسبات إلى أنه ربط بين الظواهر الاجتماعية والثقافية للأحداث وبين متغيرات اقتصادية مثل الدخل، الإنفاق، والأسعار، ويُظهر كيف تتكيف المجتمعات مع الظروف الاقتصادية خلال الأوقات الاحتفالية، فتلك تماماً هي الفرصة التي تتوافر للكويت، كحالة اقتصاد دولة، مع بداية كل عام، وبدء الاستعداد للاحتفال بالأعياد الوطنية تعقبها استعدادات استقبال شهر رمضان، لكن هذه المرة، فالعام استثنائياً بكل المقاييس.

فمع بدء توجه الدولة إلى الانفتاح الاقتصادي، بمفهومها، والتحول إلى اقتصاد مستدام ومتنوع بعيداً عن الاعتماد على النفط، تستعد لاستقبال المناسبتين في نفس التوقيت، ما يعد فرصة لتنشيط القطاعات الاقتصادية، تتجاوز إصدار المسكوكات التذكارية كاحتفال، ويفرض تحدياً اقتصادياً لضرورة الموازنة بين الاستفادة من المناسبة كفرصة لتنشيط الإنفاق على القطاعات الخدمية بما يفيد الاقتصاد بشكل عام، خصوصاً في وقت يعاني فيه الاقتصاد من تراجع في الإنفاق، وبين تجنب السلبيات الناتجة عن زيادة الإنفاق الاستهلاكي في مثل هذه المناسبات.

فخلال العام الماضي، تحوّل الإنفاق الاستهلاكي في البلاد من النسق الإيجابي الى السالب، إذ صدرت في نوفمبر الماضي، بيانات بنك الكويت المركزي عن معدلات الإنفاق الاستهلاكي في البلاد عن فترة الأشهر التسعة من العام الحالي (يناير الى سبتمبر) والتي كشفت عن انخفاض بـ 4.66 بالمئة، أي ما يوازي 1.67 مليار دينار، ليصل إجمالي إنفاق المواطنين والمقيمين إلى 34.35 ملياراً، مقارنة بـ 36 ملياراً خلال الفترة ذاتها من 2024.

ومثّلت هذه البيانات أول تراجع لحجم الإنفاق الاستهلاكي في البلاد منذ جائحة كورونا الذي سجّل معدلات نمو إيجابية خلال الفترة المماثلة من السنوات الماضية بما لا يقل عن 8 بالمئة حتى انخفض العام الحالي سلبياً بـ 4.66 في المئة، كما عبّرت هذه البيانات عن أول انخفاضات سلبية لـ 3 فترات فصلية متتالية منذ 10 سنوات، حيث تراجع الإنفاق الاستهلاكي في الربع الأول من العام الحالي بـ 5.9 بالمئة، وفي الربع الثاني 5.4 بالمئة، وواصل تراجعه حتى بلغ في 9 أشهر 4.66 بالمئة.

ومع صدور هذه البيانات، رأى مراقبون وخبراء اقتصاد، أن بعض السياسات التي جاءت على نحو مفاجئ، أحدثت ربكة في الأسواق وأثرت على معنويات المستهلكين، بالتالي انعكست على واقع بيئة الأعمال، لاسيما أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة الذين يكرر الخطاب الحكومي حرصه على دعم أوضاعهم لإصلاح سوق العمل، بينما في حقيقة الأمر يرفع من درجة عدم اليقين التي تضغط على أعمالهم، وتقلل من جاذبية المبادرات وفرص العمل في القطاع الخاص، وهم يعانون في الأصل مشكلات متراكمة وضغوط قلة الأراضي وارتفاع الإيجارات ومصاعب التمويل والبيروقراطية الحكومية.

هنا، يفرض التحدي نفسه بضرورة الموازنة بين الاستفادة من المناسبة كفرصة لتنشيط الإنفاق وبين «تهذيب الاستهلاك» عن طريق تجنب السلبيات الناتجة عن زيادة الإنفاق الاستهلاكي في مثل هذه المناسبات، خصوصاً، مع تفنيد محاور اقتصاد المناسبات التي تتمثل في:

• الإنفاق الاستهلاكي: يشمل زيادة الطلب على السلع والخدمات خلال المناسبات، مما يرفع الأسعار (مثل الأسواق في الأعياد).

• التأثير على الأسر: يعكس دخل الأسر وقدرتها الشرائية، حيث يدفع الغلاء الأسر لتقليل حجم الاحتفالات والتبذير، وتظهر فجوة بين الطبقات الاجتماعية.

• الأثر على قطاعات الاقتصاد: يؤثر إيجاباً على قطاعات مثل الضيافة، التجزئة، والسياحة، مما يعزز الاقتصاد المحلي.

• التحديات والفرص: التحديات تتمثل في التكاليف الباهظة والتبذير، والفرص تكمن في التخطيط الاستباقي للاحتفالات كمهرجانات سياحية تدر دخلاً.

واتساقاً، وحسب مفهوم اقتصاد المناسبات، الذي يواجه تلك التحديات والتي تفرض تبسيط الطقوس والتقليص من التكاليف، ويشمل أيضاً الاستفادة من هذه المناسبات كفرص لتعزيز السياحة والأنشطة التجارية، خاصة في الاحتفالات الوطنية، فعلى الدولة أن توازن بين توافر الإنفاق على الحدث، والاستفادة منه كفرصة لتعزيز المبيعات في الحالة المؤسسية، أو أنشطة تجارية معينة في حالة اقتصاد الدولة، وضمان وجود «وعي استهلاكي» يتطلب قنوات استثمار وادّخار وأعمال ترفع من جودة إنفاق المستهلكين خلال الحدث بما يضمن تحقيق الاستفادة القصوى ليس في سياق المناسبة فقط، ولكن في سياق التحول نحو اقتصاد مستدام ومتنوع وفي إطار خطة الانفتاح كرؤية اقتصادية، ومن دون وجود هذا التوازن سيكون الاحتفال بشهر رمضان مجرد مناسبة لزيارة الديوانيات والغبقات الرمضانية، والاحتفال بالأعياد الوطنية مجرد لقطة تذكارية أو مناسبة لإصدار مسكوكة تخليداً للحظة، وسيكون اقتصاد المناسبات مفهوماً مرادفاً، فقط، للاستهلاك.

back to top