وجهة وطن: هكذا كُشف فساد الحيازات الزراعية
البيان الذي أصدره النائب العام المستشار سعد الصفران يوم الجمعة الماضي بشأن الحيازات الزراعية ومخالفاتها والشبهات المثارة بشأنها والتي وصلت إلى حد الرشوة يُعيد إلى الأذهان الدور الذي لعبته عدد من مؤسسات الدولة المهمة، فضلاً عن الحريات العامة في إلقاء الضوء على شبهات الفساد ومحاولات إصلاح الوضع المختل فيها.
فمن أبرز المؤسسات التي ساهمت في كشف تلاعب الحيازات الزراعية هو ديوان المحاسبة الذي نشر في مارس 2021 تقييماً لكفاءة وفاعلية الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية في توفير الأمن الغذائي خلال الفترة من 2017 إلى 2019، وتبين من خلال التقرير وجود فساد ومخالفات عديدة في التوزيع والتخصيص، وصولاً إلى اختلالات تتعلق بمحدودية الأثر المرتبط بتحقيق الأمن الغذائي، أو في تشكيل وزن معتبر للقطاع الزراعي من الناتج المحلي الإجمالي.
كذلك كان لمجموعة من نواب مجلس الأمة دور في كشف مخالفات الحيازات الزراعية وتفعيل الأدوات الرقابية في هذا الشأن عندما تقدم النواب السابقون رياض العدساني وعادل الدمخي ومحمد الدلال باستجواب إلى وزير الإعلام وزير الدولة لشؤون الشباب محمد الجبري تضمن في محاوره «تجاوزات الهيئة العامة للزراعة».
ولا ننسى أيضاً حكم محكمة التمييز الإدارية في عام 2022 بتأييد قرار محكمة الاستئناف سحب 396 قسيمة زراعية في منطقة الوفرة ضمن مشروع الأمن الغذائي وزّعت منذ عام 2014 نظراً لما شاب توزيعها من مخالفات وتنفيع لغير المستحقين.
هذا كله ما كان يمكن أن يكون له صوت لولا وجود حريات إعلامية نسبية، خصوصاً في الصحافة الكويتية، ومنها، والشهادة هنا مجروحة، جريدة «الجريدة» عبر الأخبار والتحقيقات الصحافية والتقارير وكُتّاب المقالات الذين ساهموا في تسليط الضوء على مخالفات الحيازات الزراعية وكارثيتها التي وصل بعضها إلى منح حيازات زراعية لشركات عطور وملابس وصولاً إلى رشاوى لسياسيين وإعلاميين ومتنفذين فاسدين، وربما ما ستكشفه تحقيقات النيابة العامة من تفاصيل يكون فيها الخافي أعظم.
ثمة كثير يمكن قوله بشأن فساد الحيازات الزراعية وتخاذل حكومات متتابعة وأجهزة تنفيذية عن معالجتها إلا أن ما يجب الإشارة إليه والتركيز عليه هو المؤسسات والجهات التي مارست لسنوات أعمال الرقابة والمحاسبة، وكرست العدالة ومارست النقد الهادف الذي يستهدف المصلحة العامة وكلها صبّت اليوم في اتجاه جدية بحث هذا الملف بتجاوزاته الكارثية لدى النيابة العامة.
هذه المؤسسات حتى إن لم تكن مستقلة أو مثالية تماماً، والحريات وإن كانت غير مكتملة، تظل لها فاعليتها في كشف الفساد والمخالفات ووضع نماذج للحوكمة والشفافية يحتاج إليها الجهاز التنفيذي للدولة... والواجب هنا تعزيزها لا كبحها أو تقليص أعمالها أو وضع القيود عليها.