الجيل Z... بين الشعارات والمخرجات

نشر في 02-02-2026
آخر تحديث 01-02-2026 | 18:36
 د. بلال عقل الصنديد

يشهد العالم اليوم تحوّلاً ديموغرافياً لافتاً تحدده العلاقة المتنامية بين الإنسان والتقنية الرقمية، حيث لم تعد التكنولوجيا أداة مساعدة فحسب، بل أصبحت إطاراً حاكماً للتفكير والعمل والتواصل. ويبرز في هذا السياق الجيل Z بوصفه أول جيل نشأ على اتصال دائم بالإنترنت منذ سنواته الأولى، بعد منتصف تسعينيات القرن الماضي، متقدماً على جيل الألفية، وممهّداً لظهور أجيال لاحقة مثل الجيل ألفا والجيل بيتا، الأكثر التصاقاً بالذكاء الاصطناعي والبيئات الرقمية.

يتميّز هذا الجيل بقدرة عالية على التعامل مع المعلومات السريعة، والتعلّم المرن، والتكيّف مع التغيّر، غير أنّ هذا التميّز يقترن بتحديات معقّدة، أبرزها الضغط النفسي الناتج عن المقارنة المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتلقّي المستمر للأخبار التي بمعظمها سلبية، وفجوة متنامية بين القيم المرفوعة كشعارات وبين ممارستها الواقعية. ففي فضاء رقمي مفتوح بلا حدود، تتيح المنصات التعبير الحر وتمنح شعوراً بالقدرة على التأثير، لكنها في الوقت نفسه تثير أسئلة جوهرية حول المسؤولية والمعنى، وحول قدرة المؤسسات التقليدية على مواكبة هذا التحوّل، مما يفضي إلى تآكل الثقة بين الشباب والمجتمع والدولة.

على صعيد القيم والأخلاق، يشهد الشباب حالة من «تضخم المسؤولية»، إذ يُتوقع منهم أن يكونوا مواطنين مثاليين، متفهمين للقضايا الاجتماعية والسياسية والبيئية، في وقت يغرق العالم في تعقيدات متسارعة، وفرص النجاح والشهرة الرقمية السريعة التي لا تعكس بالضرورة الجهد أو الالتزام الحقيقي. هذا التضخم يجعل من الصعب على كثيرين إيجاد التوازن بين الطموح الشخصي والمسؤولية الاجتماعية، ويزيد من الضغوط النفسية، ويخلق شعوراً بأن القدوة الحقيقية تتلاشى في زمن الشهرة اللحظية.

انهيار مفهوم القدوة ينعكس على كل جوانب الحياة، من التعليم إلى العمل والمجتمع المدني، إذ لم يعد الشباب يجدون الشخصيات المرجعية التقليدية التي يمكن أن يستلهموا منها القيم أو المسارات العملية. بدلاً من ذلك، أصبح التأثير سريعاً، وغالباً ظاهرياً، متاحاً لمن يعرف كيف يستغل أدوات الإعلام الرقمي للوصول إلى الشهرة. هذا الواقع لا يعني بالضرورة فقدان القيم، لكنه يضع الشباب أمام تحدٍ مزدوج: كيف يختارون قدوتهم؟ وكيف يصنعون نموذجاً شخصياً يحتذى في بيئة تتغير بسرعة، ويصبح فيها التأثير أكثر من مجرد تواجد رقمي؟

ويبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل هذا الزخم الرقمي إلى أثر فعلي؟ فالتحوّل من الشعارات إلى النتائج، في الشأن العام، أو في ريادة الأعمال، أو الخدمة المجتمعية، أو في حماية البيئة، وغيرها... يتطلب وعياً وثقة بالذات، وقدرة على التقييم النقدي، ومهارات تواصل فعّالة، والتزاماً بالقيم الأخلاقية التي تتجاوز الميدان الرقمي. ومن هنا، تصبح المؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية شريكاً أساسياً، ليس في تعليم المهارات التقنية فحسب، بل في صقل الشخصية، وتعزيز حس المسؤولية، وإيجاد قنوات حقيقية للمشاركة والتأثير.

في نهاية المطاف، أجيالنا المعاصرة أمام فرصة فريدة لصياغة مستقبل مختلف، لكن هذه الفرصة مشروطة بالقدرة على تحويل الشعارات إلى مخرجات، والشهرة إلى مسؤولية، والإبداع الرقمي إلى تأثير واقعي.

* كاتب ومستشار قانوني

back to top