
تشير الإحصاءات الديموغرافية العالمية إلى مفارقة لافتة: أكثر من 90% من الزيادة السكانية المتوقعة عالمياً حتى عام 2050 ستحدث في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، خصوصاً في إفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا. في المقابل، تعاني دول غنية عديدة انكماشاً سكانياً، حيث انخفض معدل الخصوبة فيها إلى أقل من 1.5 طفل لكل امرأة، وهو دون مستوى الإحلال السكاني. في بعض الدول الفقيرة، مازال المعدل يتجاوز 4 أو حتى 5 أطفال لكل امرأة. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن فروق اقتصادية، بل تكشف عن اختلافات عميقة في طريقة فهم الإنسان للحياة، والمستقبل وموقعه فيها. يبدو النمو السكاني المرتفع في الدول الفقيرة للوهلة الأولى مثيراً للتعجب: كيف تزداد أعداد البشر حيث تقل الموارد، وتتباطأ حيث تتكدّس الثروة؟ غير أن هذه الظاهرة تأتي نتيجة فلسفية–اجتماعية تشكّلت عبر التاريخ، وتغذّيها علاقات معقّدة بين الخوف والأمان والبحث عن الاستقرار. في المجتمعات الفقيرة، لا يُنظر إلى الإنجاب باعتباره قراراً فردياً قابلاً للتأجيل أو المراجعة، بل بوصفه استراتيجية بقاء. الطفل هنا ليس عبئاً اقتصادياً، بل ضمانة مستقبلية. هو يد محتملة للعمل، وسند في الشيخوخة، وتعويض عن غياب أنظمة الرعاية الاجتماعية. حين تغيب الدولة، تصبح الأسرة هي المؤسسة، وحين تنهار الضمانات، يتحوّل الجسد نفسه إلى شبكة أمان. الفقر لا يعني فقط قلة المال، بل قلة الخيارات. في المجتمعات الغنية، تتعدّد مسارات تحقيق الذات: التعليم، العمل، التقدّم المهني، السفر، والهوايات. أما في المجتمعات الفقيرة فيضيق أفق المعنى، ويصبح الإنجاب أحد المسارات القليلة المتاحة للشعور بالقيمة والاستمرارية. الطفل يمنح الوالدين إحساساً بالإنجاز، وامتداداً للذات في عالم لا يعترف كثيراً بالفرد. هناك أيضاً البعد الزمني. المجتمعات الفقيرة تعيش في الحاضر أكثر مما تخطّط للمستقبل، ليس لقصور في التفكير، بل لأن المستقبل ذاته هش وغير مضمون. تاريخياً، ارتبط الفقر بارتفاع معدلات وفيات الأطفال وانتشار الأمراض وقصر متوسط العمر. في هذا السياق، يصبح الإكثار من الإنجاب استجابة عقلانية للخسارة المتوقعة. على النقيض، في المجتمعات الغنية حيث يطول العمر وتقل المخاطر، يتحوّل المستقبل إلى مشروع طويل الأمد يحتاج إلى تنظيم وتأجيل وحساب. ولا يمكن فهم هذه الظاهرة دون التوقف عند التعليم، خصوصًا تعليم النساء. تُظهر التجارب السكانية أن تعليم المرأة وانخراطها في العمل غالباً ما يترافقان مع أنماط إنجاب أقل عدداً. ليس لأن التعليم يعادي الأمومة، بل لأنه يعيد تعريفها. المرأة المتعلمة تمتلك قدرة أكبر على الاختيار، وتربط عدد الأطفال بجودة الحياة لا بمجرد العدد. أما حين يُحرم نصف المجتمع من التعليم فيصبح الجسد أداة التعبير الوحيدة عن الدور الاجتماعي. فلسفياً، يمكن القول إن المجتمعات الفقيرة تُنجب في مواجهة العدم. الإنجاب هنا فعل مقاومة صامت، ورسالة تقول: “نحن باقون”. أما المجتمعات الغنية، وقد وفّرت قدراً من السيطرة والأمان، فقد تراجع خوفها الوجودي، وتحوّل التكاثر من ضرورة إلى خيار. النمو السكاني في الدول الفقيرة ليس مشكلة أخلاقية ولا فشلاً ثقافياً، بل مرآة لاختلال العدالة العالمية، فحين يُبنى الأمان، ينخفض الإنجاب تلقائياً. البشر لا ينجبون لأنهم يملكون الكثير، بل لأنهم يخشون ألا يملكوا شيئاً غداً.