على الطريق: التراحم ضرورة أخلاقية لا خيار اجتماعي
تُشكِّل العادات والتقاليد الجميلة الإطار القيمي الذي يحفظ توازن المجتمع ويعزز روح الاحترام والتكافل بين أفراده، فهي نتاج إرثٍ اجتماعي طويل أسهم في ترسيخ مبادئ التعاطف والتعاون والوقوف إلى جانب الآخرين في أوقات الشدة قبل الرخاء. ولا تزال هذه القِيم تمثل صمام أمان يحمي المجتمعات من التفكك والانقسام.
غير أن المتغيِّرات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، لا سيما في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أفرزت بعض السلوكيات السلبية التي تتنافى مع هذه القِيم، من أبرزها ظاهرة التشفي بمصائب الآخرين، حيث باتت بعض المنصات مساحة للتعليقات الساخرة أو الجارحة عند وقوع الحوادث أو الأزمات، في مشهدٍ يفتقر إلى أبسط معاني الإنسانية.
إن التشفي بالمصائب لا ينسجم مع أخلاق المجتمع، ولا يعكس وعياً أو تحضراً، بل يُضعف الروابط الاجتماعية، ويُغذي مشاعر الكراهية والفرقة. فالمصائب والابتلاءات جزء لا يتجزأ من حياة البشر، ولا أحد بمنأى عنها. ومن هنا، فإن التعاطف ومواساة المتضررين يُعدَّان من القِيم الأساسية التي أكدت عليها الأديان السماوية، وحرصت المجتمعات على ترسيخها عبر الأجيال.
كما أن الكلمة، سواء كانت مكتوبة أو منطوقة، لها أثر بالغ في النفوس، وقد تكون سبباً في التخفيف من الألم أو زيادته. وعليه، تبرز أهمية تعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية، والتأكيد على ضرورة احترام مشاعر الآخرين، خصوصاً في أوقات الأزمات والمصائب.
وتتوزع مسؤولية الحفاظ على هذه القِيم بين عدة أطراف، فالأسرة تُعد الحاضن الأول لغرس مبادئ الاحترام والتراحم في نفوس الأبناء، والمؤسسات التعليمية لها دور فاعل في تعزيز السلوك الإيجابي ونبذ التنمر، فيما يقع على عاتق وسائل الإعلام دور محوري في توجيه الرأي العام، وتسليط الضوء على القيم الأخلاقية التي تعزز الوحدة المجتمعية.
وفي الختام، فإن الالتزام بالعادات والتقاليد الجميلة، ونبذ مظاهر التشفي والسخرية من مصائب الآخرين، يمثلان ضرورة مجتمعية مُلحَّة للحفاظ على التماسك الاجتماعي، وبناء مجتمع أكثر وعياً وإنسانية، قادر على مواجهة التحديات بروح من التضامن والتكافل.