الأغلبية الصامتة: احتضنت ثم عبست
بعد التحرير عام 1991م واستقرار الأوضاع الأمنية وعودة البث التلفزيوني في القنوات الرسمية، تم اتخاذ قرار باستبعاد عرض جميع الأعمال الفنية التي ظهر فيها الممثلون المتعاونون مع قوات الاحتلال العراقي، في مقدمتهم مبارك حمد، الشهير بـ «إمبيريك»، وزينب الضاحي. ونتيجة لذلك اختفت مجموعة من المسرحيات والمسلسلات من العرض على تلفزيون الدولة.
كان ذلك القرار مفهوماً ومستحقاً في حينها، مراعاةً لمشاعر شعب طُعن في قلبه، بسبب غدر الجار، وأيضاً مراعاةً لمشاعر أهالي الأسرى والمفقودين، التي كانت آنذاك في أوجها. وبعد فترة من الزمن تم تنقيح بعض المسلسلات، بعد استبعاد مشاهد المتعاونين، من دون أن تؤثر كثيراً على سياق الأحداث، مثل «على الدنيا السلام». أما مسرحية «عزوبي السالمية»، ورغم أن «إمبيريك» ظهر في فصلها الأخير، كان من الصعب إزالته وإعادة تركيب الفصل من دونه، فأخفي ذلك العمل، رغم أنه بطولة النجوم: عبدالحسين عبدالرضا، ومحمد المنصور، وسعاد عبدالله، ومحمد جابر.
ذلك الحظر الرسمي لم يمتد لمحلات الفيديو، التي ظلَّت تبيع المسرحيات كاملة من دون تقطيع. وبعد انتشار «أطباق» استقبال مئات القنوات الفضائية، شاهد الجمهور الكويتي المسرحيات والمسلسلات الكويتية كاملةً في بعض القنوات الخليجية، واليوم تعرض القنوات الكويتية الخاصة نفس الأعمال كاملةً كما تم تصويرها.
الحديث في هذا الموضوع يطول ويتشعَّب، وهو ليس غرضنا الرئيسي، ما عدا فكرة واحدة، هي أن بعض «الحضور» يصعب إزالته، خاصة في الأعمال الفنية التي تتمتع بخواص عديدة، مثل الإعادة والاسترجاع بلا نهاية، والانتقال إلى ذاكرة أجيال جديدة لم تكن موجودة حين عرضت للمرة الأولى، وحتى بعض مباريات كرة القدم تُستعاد منها أجمل لقطات تسجيل الأهداف والمراوغات الفنية وأشياء كثيرة إلى ما لانهاية.
اليوم، ونحن نتلقى أخبار نزع الجنسية من مبدعين في كل المجالات ساهموا في بناء القوى الناعمة وغير الناعمة لدولة الكويت، وسجلوا الكثير من «الحضور» والإنجازات باسمها في المحافل العربية والدولية، وهم الذين حصلوا على تلك الجنسية منذ عقود طويلة، ومن دون شبهات في التزوير أو الازدواجية، أحاول استيعاب الحال التي وصلنا إليها، وإلى متى ستدور هذه الطاحونة؟ وأين ستتوقف؟
لقد تعالت أصوات غريبة تحاول إعادة تعريف ما قدَّمه أولئك المبدعون، وكأنه «خدمة مقابل خدمة»، ومكافأة لها أجل ينتهي، ثم يعود مَنْ قدَّمها هو وأجياله التي وُلدت وعاشت في الكويت بعد خمسين سنة أو أكثر إلى المكان الذين جاء منه الأب!
في الختام، لقد تداخلت المعايير واشتبكت، فالكويت التي استوعب واحتضنت غير الكويت التي عبست ولفظت، وحتى البعض ممن ساهموا أول الأمر في تشجيع ما يحصل في ملف «الجناسي» فرملوا ألسنتهم، وغيَّروا اتجاههم، لأنهم شعروا أن النار بدأت تقترب من ثيابهم.