افتتاحية: يا حكومتنا... لا تصفقي بيدٍ واحدة
وسط ما يثلج صدور كل محبي الكويت عن ردع الدولة لمتجاوزي القانون والمعتدين على المال العام والمتلاعبين بالحيازات الزراعية وأملاك الدولة، فضلاً عن ضبطها تشكيلات غسل الأموال ومروجي الرشوة والمتاجرين بعناوين السكن، لم يعد من شك في أن الحكومة أخذت على نفسها عهداً بأن تنفي كل هذا الخبث عن بلادنا، وهو أمر محمود وطيب لا يماري أحد في فوائده الجمة.
غير أن للنهضة يدين، إحداهما لتكسير المعاول الهدامة، وهو ما بات ماثلاً من قرارات الحكومة واتجاهاتها خلال الحقبة الأخيرة، أما الأخرى فهي اليد التي تبني وتشجع وتكافئ وترسم طريق التميز لأبنائها من الكوادر المجتهدة والعناصر المبدعة التي تسعى إلى النهوض ببلدها مهما كلفها ذلك من جهد أو عبء.
ماذا لو التفتت بلادنا إلى تشجيع أصحاب رؤوس الأموال والمبادرين الذين آثروا المشاركة بأموالهم في بناء وطنهم مؤمنين بدعم شباب هذا الوطن الذي يجب أن تتاح أمامهم الفرصة ليشقوا طريقهم فيه، لا أن يتجه النابغون والكفاءات الوطنية الشبابية إلى دول أخرى تغري الباحثين عن فرصةٍ بعدما ضاقت عليهم أنفسهم في وطنهم.
وإذا كانت بذور إصلاح أي دولة تبدأ من القضاء على الفساد، فإن نبتة هذا الإصلاح وشجرته تتمثلان في توفير الفرص للشباب والمبادرين والتفرغ - أو على الأقل تخصيص جل الاهتمام - لمرحلة البناء والتنمية ومساعدة الكوادر المبدعة على إبداعها، ودعم الطامحين ومساندتهم لتحقيق كل ما يطمحون إليه في وطنهم.
حين تكافئ الدولة المجتهد وتعطيه الفرصة، فإنها تضيء الطريق أمام الآخرين، ويصبح النجاح قابلاً للتكرار لا استثناءً عابراً، إنها رسالة واضحة بأن العمل الجاد مرئي، وأن العطاء لا يضيع في الزحام، بذلك تتحول القيم من شعارات إلى سلوك يومي، ومن نصوص جامدة إلى ثقافة حية أمام الجميع.
وفي النهاية نقول إن الدول لا يمكنها أن تقوم على مبدأ العقاب وإزالة الفساد وحده، وكذلك لا يكتمل الإصلاح بالتحفيز المطلق وحده، فالتوازن هو روح البناء الناجح، حيث تمتد يدٌ تعاقب لتردع، وأخرى تكافئ لتبني، وإن كانت التجربة الإنسانية أثبتت أن أثر التشجيع أعمق وأبقى، لأنه يخاطب الدافع الداخلي، ويوقظ في النفوس الرغبة في الإتقان لا الخوف من الخطأ، وباجتماع هاتين اليدين لبلد ما يمكنه أن يسمع تصفيقهما بإنجازات تتحقق، أما الاكتفاء بإحداهما، فيدٌ واحدة لا يمكنها أن تُصفِّق!