«المثقف»... عندما يختار الأسوأ! (1-2)

نشر في 01-02-2026
آخر تحديث 31-01-2026 | 18:19
 خليل علي حيدر

لا ينتهي الجدل والأخذ والرد فيما فعل المثقفون بشعوبهم وما لم يفعلوا - في الثقافة العربية، وبخاصة الدول التي فشلت فيها الثورات أو انتكست الانقلابات. هناك انتقادات مريرة منذ عقود على ما فعلت هذه الثورات والانقلابات بالاقتصاد والحقوق والقيم وكل مناحي الحياة،

المفكرون والمنظرون والشعراء والتجارب والأحزاب التي بنيت على الأفكار والنظريات، والتي لم تنجح في تحسين الأوضاع، وتلك التي أنتجت في العديد من الدول أوضاعاً أسوأ مما قبلها.

بدأ الحساب العسير منذ عام 1967، ونكسة حزيران، وكانت النكبة عام 1948 قد مهدت لها، ولكن ما سميت بالنكسة كانت أشد تأثيراً، إذ جاءت بعد ثورات وانقلابات رافقها الشيء الكثير من الدعاية والآمال والإشادة بالزعامات ومزاعم التغيير والإصلاح. والتي انكشف عن فشلها الغطاء بشكل لا يرحم في ذلك اليوم 5 يونيو 1967، «النكسة» الكبرى التي خلدها في أدب العرب وشعرهم في القرن العشرين، اثنان من أكبر وأبرز الشعراء نزار قباني وعبدالوهاب البياتي، فأصدر الأول «هوامش على دفتر النكسة»، والتي قال فيها «حرب حزيران انتهت فكل حرب بعدها ونحن طيبون»! 

أما البياتي فاشتكى بمرارة من شمس حزيران الشديدة الوهج والحرارة والضوء التي كشفت وعرّت كل شيء: «آه... لم تترك على عورتنا شمس حزيران رداء».

غير أن الشاعرين الكبيرين، وبخاصة البياتي (1926-1999) الذي رحل عن عالمنا بعد عام من نزار قباني (ت 1998)، كانا ولا يزالان من شعراء النهضة والحداثة والثورة، وربما كان الأكثر حداثة وثورية منهما الشاعر الكبير أدونيس، الذي كتب عام 1989 يمجد ما قام به في إيران آية الله روح الله الخميني! وفي إيران نفسها كان اللوم والسخط فيما بعد من نصيب الشاعرة الإيرانية البارزة سيمين بهبهاني التي كانت قد أشادت وناصرت ثورة 1979 الإيرانية قبل أن تنكشف مساراتها وأهدافها.

إحدى مشاكل المثقف في الكويت والكثير من البلاد العربية أنه مطالب بمعالجة مشاكل المجتمع والجرأة في المعالجة، ووضع اليد على الجروح وغير ذلك... دون تفكير في عواقب الاندفاع، والعواقب والعقوبات! القارئ عادة لا يكترث للموانع والممنوعات والحجز والحواجز.

وبهذا فالقارئ الذي يتجاوز عن كل هذا، ينصف الجمهور ويظلم الكاتب والمثقف! 

عندما نقرأ الصحف أو المقالات أو الكتب، القديمة وشبه القديمة، نجد أن الكثير من مشاكل المجتمع بدورها قديمة ومزمنة، وبعضها أصبحت مستحيلة العلاج، لأن مضاعفاتها تحولت بدورها إلى مشاكل جديدة! البعض عزا أسباب المشاكل إلى الأنظمة، وآخرون إلى الثقافة السائدة وآخرون إلى التعصب وفئة أخرى على العكس نسبوها إلى التساهل والترهل، «وعدم وضع النقاط على الحروف»، وغيرهم نسبها إلى «قوى معلومة» كالتدخل الأجنبي، وآخرون اتهموا القوى المعلومة والمجهولة في ظهورها كالغرب والصهيونية والماسونية. 

المثقفون المطالبون بحل مشاكل العالم العربي يعيشون بدورهم في أوضاع غير مريحة، فمعظمهم موظفون ذوو دخل محدود أو معدوم، وبعضهم كان مسجوناً أو تعرض للتعذيب وليس له دخل أو راتب ثابت، ثم إن المثقفين منقسمون إلى تيارات وأحزاب ومدارس فكرية، ولا تجمعهم رؤى مشتركة. 

الباحث والكاتب الأردني د. عاطف عضيبات يرى أن أزمة المجتمع العربي هي بالدرجة الأولى انعكاس لأزمة المثقفين العرب الذين لم ينجحوا بعد في القيام بالدور الذي يمكنهم من الخروج بالمجتمع العربي من أزمته أو أزماته المختلفة. 

د. عضيبات يرى كذلك «أن الغالبية العظمى من المثقفين العرب يعيشون هذه الأيام في حالة من الاغتراب، بمعنى أنهم يشعرون بالعجز تجاه مجتمعهم ومؤسساتهم، ويحسون تبعاً لذلك بعدم الانسجام في مجتمعهم وبوجود هوة سحيقة تفصل بين أوضاع المجتمع الراهنة والأوضاع التي يتمنونها. وكانعكاس لهذه الحالة، نرى أن غالبية المثقفين العرب يتنصلون من واقعهم وكأنهم يطلبون الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع، أو قد يقفون موقف المتفرج على ما يجري في ساحة المجتمع عاجزين عن المشاركة وبائسين من قدرتهم على تغيير المسار نحو ما يعتقدون أنه واقعي وصحيح. وبشكل خاص نجد أن هناك تغيباً واضحاً من قبل المثقفين العرب عن ساحة صنع القرار، وبالتالي اتساع الفجوة بين المثقفين وصانعي القرارات في الوطن العربي، هذه الفجوة التي طالب سعد الدين إبراهيم بتجسيرها». 

(الانتلجنسيا العربية، تحرير د. سعدالله إبراهيم، عمان الأردن 1988)

back to top