صكوك الغفران والوطنية الزائفة... حين يتحول الوطن إلى غنيمة
في أزمنة الأزمات، تسقط الأقنعة سريعاً. ومع كل حرب، أو كارثة طبيعية، أو حدث سياسي صادم، يظهر وجهٌ قبيح من وجوه الانتهازية: فئة تتقن المتاجرة بالمآسي، وتُحسن استغلال الخوف العام، وتقدِّم نفسها وصياً على الوطن، وناطقاً حصرياً باسم الوطنية. هؤلاء لا يكتفون بالصمت على الجريمة، بل يصنعون لها غطاءً أخلاقياً، ويوزعون صكوك الغفران وفق أهوائهم السياسية ومصالحهم الضيقة جداً.
هذه الفئة لا ترى في الوطن قيمة أخلاقية، أو عقداً جامعاً بين الناس، بل تراه ساحة استثمار. كل حادثة عندهم فرصة، وكل دمعة رصيد، وكل خراب منصة للظهور والتسلق. يتبدَّلون مع الريح، يرفعون شعارات كُبرى بلا مضمون، ويتحدثون عن الثوابت وهم أول مَنْ يفرِّط فيها حين تمس مصالحهم.
الأخطر أن هؤلاء محسوبون علينا كمواطنين. ليسوا غرباء أو طارئين، بل من داخل المجتمع نفسه. يتحدثون بلغتنا، ويستخدمون مفرداتنا، ويعرفون حساسيات الناس جيداً. لهذا يكون ضررهم مضاعفاً، لأنهم لا يخونون الوطن من الخارج، بل ينخرونه من الداخل، باسم الحرص عليه.
يعطون الناس صكوك الغفران بالمزاج:
هذا وطني لأنه يصفّق،
وذاك خائن لأنه ينتقد،
هذا يُسامح لأنه «من جماعتنا»،
وذاك يُدان لأنه خارج دائرة النفوذ.
الوطنية عندهم ليست موقفاً أخلاقياً، بل أداة ابتزاز. تُرفع حين تخدمهم، وتُطوى حين تقيّدهم. يُطالبون الناس بالصمت باسم «المرحلة الحساسة»، ثم يبررون أخطاءهم باسم «الواقعية السياسية». يخلطون بين الدولة والسُّلطة، وبين الوطن والأشخاص، حتى يُصبح أي نقد تهديداً، وأي سؤال جريمة.
في هذا المناخ، تتحوَّل الوطنية إلى شعارٍ فارغ، وتُفرغ من معناها الحقيقي. يُصبح الانتماء مرهوناً بالطاعة، لا بالمسؤولية، وبالاصطفاف، لا بالمبدأ. وتُختزل القِيم الكبرى في مواقف آنية تُفصَّل على مقاس المصالح.
الوطنية الحقيقية لا تُمنح ولا تُسحب. لا تُقاس بالصراخ ولا بالمزايدة، ولا تُختزل في موقفٍ سياسي عابر. الوطنية الحقيقية هي التزام أخلاقي طويل النَّفس، يظهر في الدفاع عن الناس، لا في المتاجرة بهم، وفي قول الحقيقة، لا في تزييفها، وفي الوقوف مع العدل حتى حين يكون مكلفاً.
أما الذين يغتنمون من الحروب، ويتاجرون بالكوارث، ويمنحون صكوك الغفران وفق الهوى، فهؤلاء خطر على الوطن أكثر من أعدائه، لأنهم يلبسون ثوبه، ويتحدثون باسمه، ويشوِّهونه من الداخل.
الوطن لا يحتاج سماسرة وطنية، ولا قضاة نوايا، ولا تجار أزمات. الوطن يحتاج وعياً، وصدقاً، وشجاعة تقول: كفى تحويل الوطنية إلى غنيمة، وكفى بيع صكوك الغفران على حساب الناس والوطن.